الواحد . وقد عبّر الأصوليين عن هذا الدوران بتعارض الأحوال . وقد بحثنا عن ذلك مفصّلًا في المجلّد الثاني من كتابنا « بدايع البحوث » « 1 » .
وقد قلنا هناك أنّ احتمال المجاز لا يعتني به العقلاء في محاوراتهم ما دام لم يصل إلى درجة من القوة يمنع عن إرادة المعنى الحقيقي ، فلا يزالون يأخذون بالمعنى الحقيقي إلّاإذا حصل العلم بإرادة المعنى المجازي بقرينة قطعية أو صار ظهور الكلام في إرادته أقوى من ظهوره في إرادة الحقيقة ، أو قامت عليه حجّة شرعية بورود رواية لها ظهور واضح في إرادة المعنى المجازي ، كما سبق من الشيخ الأعظم آنفاً . فما دام لميحصل ذلك لا يشك العقلاء في إرادة الحقيقة بمقتضى العلقة الوضعية .
وحاصل الكلام : أنّ الأنسب عدم إدراج هذه القاعدة في باب تعارض الأدلّة ، وأن لا مشاحّة في الاصطلاح ، بعد تحيُّث الدليل الواحد إلى حيثيتين - وهما الظهور في الحقيقة بالوضع والظهور في المجاز بالقرينة - وكونه حجّة في كل من المعنيين المجازي والحقيقي في نفسه لولا التعارض .
وقد يتوهم أنّ المقصود من الدوران بين الحقيقة والمجاز في المقام ، تعارض دليلين إذا كان اللفظ - الدال على الحكم أو الموضوع - في أحدها بمعناه الحقيقي وفي الآخر بمعناه المجازي ، وكون الجمع بينهما وارتفاع التعارض بالأخذ بأحدهما دون الآخر . ومنشأ هذا التوهم توجيه إدراج الدوران بين الحقيقة والمجاز في باب تعارض الأدلّة .
ولكن لا أساس صحيح لهذا التوهم ، وذلك لأنّ الدوران بين الحقيقة والمجاز دائماً يكون في الدليل الواحد عندما تردّد المراد الجدي فيه بين المعنى الحقيقي وبين المعنى المجازي .
هامش
( 1 ) بدايع البحوث : ج 2 ، ص 49