الدليلين وتخالفهما في المدلول ليس في الحقيقة من قبيل التعارض إذا أمكن الجمع العرفي بينهما . وإنّما التعارض حقيقةً فيما إذا لميكن الجمع بينهما عرفاً .
ومع ذلك أطلق عنوان التعارض في كلا الموردين بلحاظ التنافي البدوي في موارد الجمع العرفي وعبّر عنه بالتعارض البدوي غير المستقرّ . وعبّر عن موارد عدم إمكان الجمع بالتعارض المستقرّ .
وعليه فما أمكن جمعه العرفي من موارد تخالف الدليلين ليس من قبيل التعارض حقيقة ؛ نظراً إلى عدم استقرار التعارض بين مدلول الدليلين حينئذٍ ؛ حيث يجمع العرف بينهما بأدنى تأمل ، ومن هنا لا ترى تضادّاً ولا تناقضاً بينهما بعد التأمل بحسب المدلول التصديقي الجدّي .
نعم يخطر بالبال في بادئ الرأي تنافياً وتعارضاً بين الدليلين في هذه الموارد بحسب المدلول الاستعمالي .
ومن هنا عُبّر عن تنافي الدليلين بهذا الاعتبار ، بالتعارض البدوي غير المستقرّ .
وهذا الاصطلاح أعني به تقسيم التعارض إلى المستقرّ وغير المستقر رأيته في كلام السيد الشهيد الصدر قدس سره « 1 » . فان له كلاماً جامعاً في تقسيم التعارض :
هامش
( 1 ) قال قدس سره : « فان كانا دليلين لفظيين - أي كلامين للشارع - فالتعارض بينهما على قسمين :
أحدهما : التعارض غير المستقر وهو التعارض الذي يمكن علاجه بتعديل دلالة أحد الدليلين وتأويلها بنحو ينجسم مع الدليل الآخر .
والآخر : التعارض المستقر الذي لا يمكن فيه العلاج ، ففي حالات التعارض المستقر يسري التعارض إلى دليل الحجية ، لأنّ ثبوت الحجية لكل منهما كما لو لميكن معارضاً ، يؤدي إلى إثبات كل منهما ونفيه في وقت واحد نظراً إلى أنّ كلًا منهما يثبت مفاد نفسه وينفي مفاد الآخر ، ويبرهن ذلك على استحالة ثبوت الحجيتين على نحو ثبوتهما في غير حالات التعارض ، وهذا معنى سراية التعارض إلى دليل الحجية لوقوع التنافي في مدلوله . . . وإن كانا الدليلان معاً غير لفظيين أو مختلفين كان التعارض مستقراً لا محالة ، لأنّ التعديل إنّما ف يجوز في حالة التفسير ، وتفسير دليل بدليل إنّما يكون في كلامين وما يشبههما » / المجموعة الكاملة : ج 4 ، ص 514 - 515 .
وقال قدس سره : « لابد لكي يعقل الجمع العرفي أن يكون الدليلان المتعارضان لفظيين أو ما بحكمهما وصادرين من متكلم واحد أو جهة واحدة وذلك لأنّ ملاك الجمع العرفي كما تقدم هو إعداد أحد الدليلين لتفسير الآخر اعداداً شخصياً أو نوعياً وهذا إنّما يصح في الكلام وعلى أن يكون المصدر واحداً ليفسر بعض كلامه بالبعض الآخر . المصدر : ص 526