تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بدايع البحوث في علم الأصول — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
وأما التزاحم في المتثال فلعدم ربط له بملاكات الأحكام ، حتى يُبحث عن اعتبار تساوي الملاكات المتزاحمة . وثانياً : أنّه لاتزاحم في الخطابين المتزاحمين - بالمعنى المبحوث عنه في المقام - بحسب ملاكاتهما ، بل إنّما في امتثالهما معاً ؛ بمعنى أنّ امتثال كلٍّ منهما يزاحم امتثال الآخر . فانّ خطابي « لاتغصب » و « أنقذ الغريق » لا تنافي ولا تزاحم بينهما بوجه بحسب الملاك . وكذا خطابي « صلّ » و « أزل‌النجاسة عن المسجد » . بل إنّما التزاحم بين امتثالهما معاً ، كما قلنا . وذلك لأنّ من الواضح أنّه لا تنافي بين مدلول الدليلين المتزاحمين وإنّما التنافي ينشأ من ناحية عدم قدرة المكلّف على امتثالها معاً . ولمّا اخذ القدرة على الامتثال في توجه التكليف ، ينتفي أحدُ التكليفين لا محالة عند التزاحم ، من دون حاجة إلى التصرف في مدلول أحد الدليلين . وهذا بخلاف باب التعارض ؛ حيث إنّ التنافي فيه إنّما يكون بين مدلول الدليلين المتعارضين . وهذا هو روح الفرق بين بابي التعارض والتزاحم . وقد تبيّن بما بيّناه أنّ التزاحم المبحوث عنه في علم الأصول عبارة عن مزاحمة أحد التكليفين مع التكليف الآخر في مقام الامتثال من ناحية عدم قدرة المكلّف في مقام الامتثال من ناحية عدم قدرة المكلّف على امتثالهما معاً مطلقاً أو في آن واحد . وقد عولج التزاحم بين امتثال التكليفين في آن واحد بطريق فكرة الترتب . وقد بحثنا عن قاعدة الترتب في المجلد الثالث من هذا الكتاب . ولكنه فيما إذا كان أحد المتزاحمين أهمّ من الآخر ، وإلّا لا مناص من الحكم بالتخيير في تقديم أحدهما .