التزاحم بينملاكات الأحكام
أما التزاحم بين الملاكات في مرتبة تشريع الأحكام ، كالتزاحم بين مصلحة الفعل المقتضية لايجابه أو استحبابه أو إباحته وبين مفسدة تركه المقتضية لتحريمه أو كراهته .
والأمر في هذا النوع من التزاحم بيد الشارع ؛ لأنّه الذي يلاحظ جهات المصالح والمفاسد في فعل شيءٍ أو تركه ويرجّح أحدهما على الآخر ، فيشرّع أحد الأحكام الخمسة بملاحظة المصالح والمفاسد المتزاحمة في ملاكاتها .
وإنّ العقل لمّا يدرك أنّه لا يصدر حكمٌ من الشارع الحكيم إلّا عن حكمة ومصلحة ، يحكم بوجوب إطاعة الأمر والنهي الصادرين عنه .
فليس للمكلّف أن يترك امتثال أمرٍ اعتذاراً بعدم مصلحة فيه ولا امتثال نهيٍ اعتذاراً بعدم مفسدة فيه .
كما أنّ الأمر كذلك في القوانين المجعولة للحكومات والدُّول ؛ حيث لا يقبل العقلاء اعتذار الرعايا وعموم الناس في مخالفة تلك القوانين بأنّه لا مصلحة أو لا مفسدة فيها .
ولكن لا يخفى أوّلًا : أنّ حكم العقل بلزوم الطاعة إنّما يختص بأحكام الشارع الحكيم المصون عن الخطأ والزلل ؛ لا في الموالي العرفية .
وثانياً : أنّ التزاحم بهذا المعنى مختص بمذهب العدلية ، من تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الكائنة في متعلقاتها - كمانسب إلى مشهورهم « 1 » - أو في نفس الأحكام كما عليه جماعة منهم ، دون مذهب الأشاعرة القائلين بعدم التبعية المذكورة .
وثالثاً : أنّه لما لاربط لهذا النوع من التزاحم بعمل المكلّفين ولا دخل له في تعيين وظيفة العباد وتكاليفهم ، لا تترتب على البحث عنه ثمرة في تحصيل
هامش
( 1 ) مصباح الأصول : ج 3 ، ص 345