ومن أجل هذا الاختلاف صارت هذه النصوص مجملة . ولكن في المقام وردت طائفة أخرى من النصوص دلّت بالصراحة على منع محاذاتهما في الصلاة واعتبار تقدم الرجل على المرأة في الصلاة .
فقد جعل صاحب الحدائق قدس سره هذه الطائفة الثانية مبيِّنة للمعنى المراد من التباعد في الطائفة الأولى ورافعة لاجمالها .
ولكن جعل صاحب المدارك الاختلاف المذكور في مقدار التباعد قرينة على استحبابها وعلى مراتب الفضل واستظهر من النصوص جواز محاذاتهما قريباً من دون تباعد وحكم بكراهة المحاذاة مع عدم التباعد أو الحائل .
وردّه في الحدائق بأنّ الاختلاف المزبور ، وإن أوجب إجمال هذه الطائفة من النصوص في الدلالة على أصل وجوب التباعد ، إلّاأنّ النصوص المصرِّحة باعتبار التقدم يرفع هذا الاجمال .
قال قدس سره - بعد نقل كلام صاحب المدارك - : « ومنشأ الشبهة عنده أن أكثر الروايات - الدالة على الشبر أو الذراع أو ما لا يُتَخَطىَّ ، ونحو ذلك من التقديرات المذكورة - قد حملها على مساواة الرجل للمرأة في الموقف . ولكن تتباعد عنه بهذه المقادير ، كما يشير إليه قوله : ولا ينافي ذلك اختلاف القيود ، يعني اختلاف التباعد بكونه بعشرة أذرع في بعض وقدر عظم الذراع في بعض وما لا يتخطّى في ثالث وهكذا .
وهو غلط محض ؛ فانّ هذه الروايات لإجمالها وإن أوهمت ذلك ، لكن هنا أخبار أخر قد صرحت بما ذكرناه ، من أنّ المراد بهذه المقادير في تقدم الرجل على المرأة ، لا مع المحاذاة ، مثل موثقة ابن بكير الدالة على نفي البأس إذا كان سجودها مع موضع ركوعه ، وصحيحة زرارة الدالة على أنّه لا يجوز أن تصلي بحياله ، إلّا أن يكون الرجل قدامها بصدره ، وهو مما يقرب من الشبر . وبذلك
بدايع البحوث في علم الأصول — صفحة 176
مساهمون: علي أكبر السيفي المازندراني
ص١٧٦