كليهما بتنزيل مؤدّاها منزلة الواقع تعبّداً . فعلى أيّ حال لا فرق بين الأصل العقلي والشرعي في تقدّم الأمارة عليهما .
عدم انفكاك ارتفاع التعبّدي عن نظر الدليل الرافع
ولكن هاهنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي أنّ ارتفاع موضوع الدليل المحكوم لا ينفك غالباً ، بل دائماً عن نظر الدليل الحاكم إلى الدليل المحكوم وتعرّضه إليه ؛ إمّا بنفي موضوعه باللفظ الصريح ، كقوله : « لاربا بين الوالد والولد » وقوله :
« لاشكّ لكثير الشك » ، وإمّا بنفي موضوعه بظاهره ، كما في دليل قاعدة السوق الحاكم على أصالة عدم التذكية ؛ حيث دلّت نصوص قاعدة السوق على نفي حكم الشك وعدم ترتيب آثاره ، وبذلك تكون ظاهرة في نفي الشك في التذكية تعبّداً وتنزيله منزلة العدم .
وبناءً على ذلك يرجع الملاكان المذكوران لقاعدة الحكومة إلى ملاك واحد بلحاظ الملازمة بينهما وجوداً .
ثم إنّه لا فرق بين كون الدليل الوارد أو الحاكم علمياً أو ظنياً معتبراً ، فإنّه إذا كان رافعاً لموضوع دليل آخر بالوجدان بمجرد قيامه يكون وارداً عليه . - وإن كان رافعاً لموضوعه تعبّداً وتنزيلًا يكون حاكماً عليه ، ولو لميكن ناظراً ولا متعرضاً إلى ذلك الدليل . - وذلك لأنّ ظاهر كلمات القوم أنّ مرادهم من الارتفاع الوجداني والتعبدي بلحاظ كيفية ارتفاع الموضوع نفسه ، لا بلحاظ سبب ارتفاعه ودليله ، وهو المعنى الثاني في مفروض الكلام . ولا فرق في ذلك بين كونه دليلًا علمياً كنصٍّ قطعي السند والدلالة ، أو ظنّياً معتبراً كالأمارات المعتبرة . فلا يُعبأ بما يظهر من الشيخ الأعظم « 1 » وإن رجع عن ذلك بقوله :
هامش
( 1 ) حيث قال : « فإن كان المخصص - مثلًا - دليلًا علمياً كان وارداً على الأصل المذكور ، فف فالعمل بالنص القطعي في مقابل الظاهر كالعمل بالدليل العلمي في مقابل الأصل العملي . وإن كان المخصِّص ظنّيّاً معتبراً كان حاكماً على الأصل ؛ لأنّ معنى حجّية الظن جعل احتمال مخالفة مؤدّاهللواقع بمنزلة العدم ، في عدم ترتّب ما كان يترتّب عليه من الأثر لولا حجيّة هذه الأمارة ، وهو وجوب العمل بالعموم ، فإنّ الواجب عرفاً وشرعاً العمل بالعموم عند احتمال وجود المخصِّص وعدمه ، فعدم العبرة باحتمال عدم التخصيص إلغاءٌ للعمل بالعموم .
فثبت : أنّ النص واردٌ على أصالة الحقيقة إذا كان قطعيّاً من جميع الجهات ، وحاكمٌ عليه إذا كان ظنّياً في الجملة ، كالخاصّ الظني السند مثلًا » . فرائد الأصول : ج 4 ، ص 16 .