وبيَّن السر في ذلك أنّ ارتفاع موضوع الأصول العقلية بقيام الأمارات وجداني ، ولكن ارتفاع الموضوع في الأصول الشرعية بقيام الأمارات إنّما هو تعبّديٌ ، بمعنى عدم ترتب آثار الشك وأحكامه ، لازوال صفة الشك تكويناً .
قال قدس سره : « فإنكان الأصل ممّاكان مؤدّاه بحكمالعقل - كأصالة البراءة العقلية ، والاحتياط والتخيير العقليين - فالدليل أيضاً وارد عليه ورافع لموضوعه ؛ لأنّ موضوع الأوّل عدم البيان ، وموضوع الثاني احتمال العقاب ، ومورد الثالث عدم المرجح لأحد طرفي التخيير ، وكل ذلك يرتفع بالدليل العلمي المذكور .
وإن كان مؤدّاه من المجعولات الشرعية - كالاستصحاب ونحوه - كان ذلك الدليل حاكماً على الأصل ، بمعنى : أنّه يحكم عليه بخروج مورده عن مجرى الأصل ، فالدليل العلمي المذكور وإن لم يرفع موضوعه - أعني الشك - إلّا أنّه يرفع حكم الشك ، أعني الاستصحاب » . « 1 »
وتبعه في ذلك المحقّق العراقي والمحقّق النائيني كما سيأتي نصّ كلامهما . « 2 »
ويرد عليه : أنّه بعد أخذ الشك في الوظيفة في موضوع الأصل الشرعي وارتفاعه بورود الأمارة حقيقةً من دون نظر لدليل الأمارة إليه ، لا يبقى فرق أساسي بينه وبين الأصل العقلي في ذلك . فإنّ ارتفاع موضوع الأصل الشرعي وإن كان بالتعبد ، إلّاأنّه ليس بالادعاء والتنزيل ، كما في الدليل الحاكم . فإنّ ارتفاع موضوع الأصل العقلي والشرعي كليهما إنّما هو ببركة التعبّد بمؤدّى الأمارة من دون أيّ نظر لدليل الأمارة له ، كما هو شأن الدليل الوارد .
ويمكن تقريب هذه المناقشة بوجهين :
أحدهما : أنّ جعل تقدُّم الأمارات على الأصول الشرعية من قبيل الحكومة ،
هامش
( 1 ) فرائد الأصول : ج 4 ، ص 12 - 13
( 2 ) نهاية الأفكار : ج 4 ، ص 16 ، وفوائد الأصول : ج 4 ، ص 715