مقتضى التحقيق في المقام
ولكن الذي يساعده الفهم العرفي وبه تحسم مادة النزاع هو القول الرابع . وذلك لأنّه إذا ذُكر لكلّ واحدٍ من الجمل موضوع مستقلُّ في الخطاب ينصرف الاستثناء إلى الأخيرة ؛ لتحقق الاستثناء والأخذ به في محلّه ، ويبقى الباقي تحت أصالة العموم عند الشك في شمول الاستثناء له .
مثال ذلك قوله تعالى : « والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون ، إلّا الذين تابوا » .
فإنّ موضوع الجلد وعدم قبولالشهادة والفسق ، وإنكان فيالمعنى واحداً - وهو القاذف الرامي للمحصنات - إلّاإنّه لمّا كرِّر في الجمل كلّها ؛ لذكر حكم مستقلّ لكلّ جملة على حدة وتقدير موضوع الحكم في كل واحد منها ، ينصرف الاستثناءُ إلىالأخير ؛ لأنّهالمستثنىمنه علىحدة ويتمبه الاستثناء . وهذا بخلاف ما لو لم يذكر لكل فقرة موضوعمستقل ؛ لأنّ جميعها حينئذ فيحكم جملة واحدة .
ولكن الذي تنحل به عُقدة النزاع في المقام أنّ موضع النزاع بينهم إنّما هو في صورة تكرار الموضوع ، وخروج صورة عدم التكرار عن مصبّ النزاع ؛ حيث إنّهم مثلوا لذلك بالآية المزبورة . وبذلك يمكن الالتئام بين ما فصّلناه وبين ما اختاره صاحب الكفاية في المقام ؛ حيث حكم برجوع الاستثناء إلى الأخيرة بقوله : « والظاهر أنّه لا خلاف ولا إشكال في رجوعه إلى الأخيرة على أيّ حال ؛ ضرورة أنّ رجوعه إلى غيرها ، بلا قرينة خارج عن طريقة أهل المحاورة » . « 1 »
هذا ، ولكن يظهر من كلمات كثير من الأصحاب أنّ محل النزاع أعمٌّ من ذلك ، يأتي في كلام صاحب الرياض وغيره .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ج 1 ، ص 364