والغرض هاهنا أنه يجوز للشارع إلقاءُ العامّ قبل الخاص ، وليس من الإغراء بالجهل ؛ نظراً إلى حجيته على المكلّف المعاصر للشارع قبل إلقاء الخاص . نعم لو أراد من العامّ بعض أفراده الباقي تحته بعد التخصيص ، يكون ذلك قبيحاً منه ؛ نظراً إلى أنّه من قبيل التكليف بخلاف ظاهر الخطاب . ومرجعه إلى تكليف المكلّفين بغير متفاهمهم من الخطاب ، وهو من الإغراء بالجهل .
هذا كله في عصر الشارع بلحاظ المعاصرين له . وخارجٌ عن محل الكلام .
وإنّما الكلام فيما بعد عصر الشارع ، من القرون المتأخّرة عنه التي بُيِّن فيها جميع العمومات والمخصّصات ودُوّنت في الجوامع الروائية .
ومقتضى التحقيق في المقام أنّه يجوز العمل بالعام بعد الفحص عن المخصّص واليأس عن الظفر به . فحينئذٍ يكون الفقيه معذوراً في العمل بالعام ، وإلّا فلا عذر له في العمل به ؛ نظراً إلى علمه بورود مخصّصات كثيرة للعمومات ؛ بحيث يورث الظن بورود مخصّص لكلّ عامٍّ واجهه . ولأجل ذلك يرتفع محذور الإغراء بالجهل عن إرادة خصوص أفراد غير المتحصص من خطاب العامّ بقرينة العلم بورود المخصّصات الكثيرة لعمومات الخطابات الشرعية ؛ بحيث استقرّ دأب الشارع على ذلك .
المناقشة في استدلال شيخ الطائفة
وقد علّل الشيخ الطوسي لجواز إلقاء العامّ قبل الخاص بأنّه لمّا جاز فيما إذا كان المخصّص لبّياً بحكم العقل ، فكذلك إذا كان لفظياً بحكم الشرع ؛ حيث إنّه قد لا يخطر الوجه العقلي للتخصيص حين إلقاء العامّ ، وإنّما يجوز لتمكن المكلّف من معرفته بالتأمل .
فكذلك يجوز في المخصص اللفظي ؛ نظراً إلى تمكن المكلّف من معرفته بالفحص .