لياليه بصفين وبين يديه كسر من خبز الشعير ، وركوة من ماء الفرات ؛ وهو يبلّها فيه ! ! فقال عدي رضي اللّه عنه : يا أمير المؤمنين تظلّ النهار صائما مجاهدا ، وبالليل راكعا وساجدا ويكون أفطارك على مثل هذا ؟ ! ! أليس يضعف جسدك ؟ فقال [ أمير المؤمنين عليه السلام ] : يا عديّ [ من الخفيف ] :
علّل النفس بالكفاف وإلّا * طلبت منك فوق ما يكفيها
إنّما أنت طول دهرك ما * عمّرت بالساعة التي أنت فيها
وروى الشيخ ورّام رحمه اللّه في أواسط الجزء الثاني من كتابه تنبيه الخواطر المعروف بمجموعة الشيخ ورام ، ص 381 ، قال :
وعن محلّ بن خليفة « 1 » أنه دخل مع عديّ بن حاتم على عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) عشيّة في بعض مقامه بصفّين ومعه ( عليه السلام ) عشاء ، قال : فلقيناه وإذا بين يديه شنّة فيها ماء قراح « 2 » وكسيرات من خبز شعير وملح ، لم يخالط به غيره ، قال : فقاله له عديّ : إنّي لأرثي لك يا أمير المؤمنين إنّك لتظلّ نهارك طاويا مجاهدا ، وبالليل ساهرا مكابدا « 3 » ثم يكون هذا فطورك . فرفع [ عليه السلام ] رأسه وقال : يا عدي :
الغنى في النفوس والفقر فيها * إن تجزّت فقلّ ما يجزيها
علّل النفس بالقنوع وإلّا * طلبت منك فوق ما يكفيها
ليس فيما مضى ولا في الذي * لم يأت من لذّة لمستحليها
هامش
( 1 ) - ومحلّ هذا هو سبط عدي بن حاتم الطائي من رجال البخاري وأبي داوود ؛ والنسائي وابن ماجة ؛ وهو مترجم في كتاب تهذيب التهذيب : ج 10 ، ص 60 .
( 2 ) - الشنّة : القربة البالية . والقراح - بفتح القاف - : الماء الخالص الذي لا خليط له .
( 3 ) - مكابدا مأخوذ من قولهم : كابد فلان الأمر الكذائي : قاساه وتحمّل المشقّة في فعله .