- 42 - ومن وصيّة له عليه السّلام
لزياد بن النضر الحارثي لما أنفذه أميرا على مقدمة جيشه إلى صفين .
إتّق اللّه في كلّ ممسى ومصبح ، وخف على نفسك الغرور ، ولا تأمنها على حال من البلاء « 1 » . واعلم أنّك إن لم تزع نفسك عن كثير ممّا تحبّ مخافة مكروهه ؛ سمت بك الأهواء إلى كثير من الضّرّ حتّى تطعن « 2 »
هامش
( 1 ) ممسى ومصبح ، اسما مصدر لقولهم : « أمسى وأصبح » ويجوز أيضا أن يكونا مصدرين لهما ، أي فليكن من شأنك تقوى اللّه في كلّ صباح ومساء . والغرور - بضم الغين - :
الأباطيل . الانخداع . - وبفتحها - : ما يوجب ويورث الانخداع ، ولذا توصف به الدنيا ، فيقال الدنيا الغرور ، قال اللّه تعالى :فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. والبلاء : ما يبتلى ويمتحن به المكلف من النعمة أو النقمة ، والخير أو الشر .
أي أنك تختبر في كلّ حال بالبلاء من حصول نعمة أو ترقب حصولها ، أو حدوث نقمة أو تخوف عروضها - فلا تأمن نفسك من الانخداع ، وخذ بقيادها ولا تذهل عنها .
( 2 ) « ان لم تزع » أي ان لم تكفها ، ولو لم تحبسها . يقال : وزع فلانا وبفلان : كفّه ومنعه .
ووزع الجيش : حبسهم . وهو من باب نصر ومنع . وقوله : « مخافة مكروهه » مفعول لأجله ، وقوله : « سمت بك الأهواء » جواب الشرط معناه : ارتفعت بك الأهواء وشخصتك إلى الاضرار الكثيرة ، يقال : « سما نفسه إلى كذا » أي أعلته وأشخصته . وهو من باب « دعا » . وتطعن من باب « نصر ومنع » أي تكبر وتصير شيخا . وهو من قولهم : « طعن في السن » أي صار كبيرا . ومقصوده عليه السّلام أن مخافة المكاره المترتبة على اتباع الشهوات ، ان لم تمنعك من الانقياد لها ومزاولتها ، تجرك الشهوات إلى المضرات الكثيرة إلى أن تصير شيخا معتادا على متابعة الهوى فيصعب عليك ترك العادة فتكون من الهالكين .