فنقول : أوّلا انّه قد تقدم قول السدي عن أشياخه : ان ابن عباس عاد إلى موالاة أمير المؤمنين عليه السلام .
وأيضا قد دريت ممّا تقدّم تصريح اليعقوبي وأبي أراكة بتوبته ، وانّه ندم وردّ المال ، فقبل أمير المؤمنين عليه السلام منه توبته .
وثانيا المستفاد من الأغاني وغيره انّه كان واليا على البصرة عند صلح الإمام الحسن بل وقبله « 11 » ، وكيف يمكن أن يبقى منصوبا من قبل أمير المؤمنين عليه السلام من لم يتب من خطيئته ، ومن لم يتدارك ما أفرط فيه ، وخان اللّه ورسوله والمؤمنين .
وثالثا ان ابن عباس رحمه اللّه كان إلى آخر عمره ممّن يقرض أمير المؤمنين عليه السلام ويمدحه ، ويجاهر بذكر مثالب أعدائه وشانئيه ، ومن أجل هذا كانوا يقطعون عطاءه تارة ، ويتهددونه تارة أخرى وهذا غير معهود ممّن أصر على ذنبه ، وباع دينه ومروءته بالتافه الفاني ، وممن هو يحب المال حبّا جمّا ، ويأكل مال المسلمين أكلا لمّا .
ورابعا انّ ابن عباس رحمه اللّه وإن دنس عرضه بلوث الخيانة ، لكن لم تكن هذه من طبعه ، ولم يكن نفسه من النفوس الشقية الخبيثة التي لم تتأثر بالعظة ، ولم ترج للّه وقارا ، بل كانت من النفوس التي إذا مسّها طائف من الشيطان تذكر ، لا سيّما إذا توالت إليه من مثل أمير المؤمنين عليه السلام المواعظ التي تأخذ بالأعناق ، ويرتعد منها جوانح الخاشعين ، وأضلع المتذكّرين ، وتأخذ بأنفاسهم إلى التراقي ، وتصعد بروحهم إلى الخناق ، كالكتب المتقدمة ، وإن أمعنت النظر في الكتاب الأخير المتواتر بين أهل العلم انه كتبه أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابن عباس ، تجده انه كتاب إلى شخص كاد أن يتلف من الحزن ، ويهلك من
هامش
( 11 ) بل وبعده أيضا على ما صرّح به ابن عساكر في ترجمة خالد بن زيد أبي أيوب الأنصاري من تاريخ دمشق : ج 15 ، ص 27 .