تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
فيتعيّن الأخذ بها ، ولا موجب لردّها . أمّا عدم استحالته في مرحلة الثبوت والواقع ونفس الأمر فظاهر ، إذ لا يترتّب على تصرّف ابن العباس في بيت المال بلا مسوّغ - أو بمسوّغ خيالي - دور ولا خلف ولا تسلسل ولا نقض غرض للعالم الحكيم المقتدر . وأما عدم لزوم الاستحالة في مرحلة الظاهر ، وعالم الخارج ، فلأنّ ابن عباس من جهة قرابته القريبة بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن أجل انه كانت تنوبه نوائب كثيرة وهو مشتغل بأمور الشريعة ، كان يرى أن حقه في بيت المال أكثر مما لسواد الناس من العطاء . وأيضا كان ابن عباس بمرأى ومسمع من تفرّق الناس عن عدل أمير المؤمنين عليه السلام واستيحاشهم من عمله على مرّ الحق ، واستئناسهم بتسامح معاوية في أمر الدين ، وقناعته باسمه ، وتفضيله الأشراف والرؤساء على غيرهم من سواد الناس في العطاء والولاية وغيرها ممّا تحنّ إليه النفوس ، فكان رحمه اللّه يرى بحدسه الصائب أنهم عن غيّهم لا يرجعون ، بل يوما فيوما في تكثر الضلال يزيدون ، وعن إمامهم يفرّون ، ويتفرقون عنه أشد تفرق ويلتزمون بحيل معاوية ووساوسه ، وهو يقنع منهم باسم الدين ويتركهم وما يريدون ان لم تزاحم ارادتهم رئاسته وسياسته ، وكان رحمه اللّه يرى أن معاوية سوف يتّجر بأموال بيت المال في استيراد آلات اللّه والمزامير ، ومبادلة المغنيات ، وألبسة الحرير لرجال مملكته وأركان سياسته ، وحمل روايا الخمر من بلد إلى بلد لأهل طربه - كما كان دأبه في أيّام الخلفاء ، لا سيما في عهد عثمان فإنه كان فاعلا لما يشاء - وانّه سوف يترك الهاشميين بلا بلغة ، فعقيدة ابن عباس بما ذكر وحبه للحياة وآماله الطويلة ، حملته على حمل أموال بيت المال ، وصرفها في حوائجه الشخصية ، وبما انه كان من النفوس الزكية ، تدارك عمله هذا وعظه أمير المؤمنين عليه السلام فتاب من صنيعه ، وعاد على ما كان عليه ، من العدالة ، ولوازم علمه ومعرفته .
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة — صفحة 319 | عزيز آل طالب / الشيخ محمد باقر المحمودي