يبايع . . . » .
أقول : أما عدم بيعته ومهاجرته من المدينة إلى الشام فمما لا كلام فيه لأحد ، وأجمع عليه المسلمون قاطبة .
وأما قتله فهو أيضا مما اتفق عليه الجميع ، غاية الأمر أن حزب السياسة وأرباب الأمر والنهي ، والقبض والبسط ، لم يجدوا مستراحا أحسن من اسناد قتله إلى الجن ، تخلّصا من مخاصمة أولياء سعد ، ودفعا للقصاص المتوهم من سلطان أوليائه فيما يأتي من أيام الدنيا ، فألصقوا هلاكه بذيل شياطين الجن الغائبين ، فنجحوا عند قاضيهم في دعواهم التي لا مدافع لها ، فأهدر دم هذا الأنصاري العظيم ، لأجل ضعف أوليائه ، ومخافتهم أن يستأصلوا بأيدي معاشر أخر - ممّا يخرق - من الجن ، ولكن اللّه ليس بغافل عما يعمل الظالمون فيجازيهم في الآخرة ، ويفضحهم ويكشف الستار عن منوياتهم وما عملوا في الحياة الدنيا ، ويحق اللّه الحق بكلماته ولو كره الفاسقون ، ذكر ابن أبي الحديد في الطعن الثالث مما أورده في شرح المختار ( 62 ) من كتب نهج البلاغة : ج 17 ، ص 223 ، قال :
الطعن الثالث عشر - على أبي بكر - قولهم : انه كتب إلى خالد بن الوليد وهو على الشام يأمره أن يقتل سعد بن عبادة . فكمن له هو وآخر [ كان ] معه ليلا ، فلمّا مرّ بهما [ سعد ] رمياه فقتلاه ، وهتف صاحب خالد في ظلام الليل بعد أن القيا سعدا في بئر هناك فيها ماء ببيتين :
نحن قتلنا سيّد الخزرج * سعد بن عباده
ورميناه بسهمين * فلم تخط فؤاده
يوهم أن ذلك شعر الجن ، وأن الجن قتلت سعدا ، فلما أصبح الناس فقدوا سعدا ، وقد سمع قوم منهم ذلك الهاتف فطلبوه فوجدوه بعد ثلاثة أيام في تلك البئر وقد اخضر ، فقالوا : هذا مسيس الجن .