انحنت ، وعقرت عامة خيولنا وخيولهم وكثرت الجراح بين الطرفين ، وقتل منّا رجلان ، وصرع منهم خمسة ، وحال الليل بيننا وبينهم ، فتنحوا فمكثوا ساعة ثمّ مضوا ، فأصبحنا فوجدناهم قد ذهبوا ، فما كرهنا ذلك ، فأتينا البصرة ، وبلغنا أنهم أتوا الأهواز ، فكتب زياد بن خصفة إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام « 3 » .
أمّا بعد فانا لقينا عدو اللّه ، الناجي وأصحابه بالمدائن ، فدعوناهم إلى الهدى والحقّ وكلمة السواء ، فتولوا عن الحقّ وأخذتهم العزّة بالإثم ، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ، فقصدونا وصمدنا صمدهم فاقتتلنا قتالا شديدا ما بين قائم الظهر إلى أن دلكت الشمس « 4 » واستشهد منا رجلان صالحان ، وأصيب منهم خمسة نفر ، وخلوا لنا المعركة وقد فشت فينا وفيهم الجراح ، ثمّ ان القوم لما أدركوا الليل خرجوا من تحته متنكرين إلى أرض الأهواز ، وقد بلغني أنهم نزلوا من الأهواز جانبا ، ونحن بالبصرة نداوي جراحنا وننتظر أمرك رحمك اللّه ، والسلام .
فلمّا أتى كتابه أمير المؤمنين عليه السلام قرأه على الناس ، فقام معقل بن قيس الرياحي فقال : يا أمير المؤمنين إنما ينبغي أن يكون مكان كل رجل من هؤلاء عشرة من المسلمين حتى إذا لحقوهم يستأصلوهم ويقطعوا دابرهم ، فأما أن تلقاهم بأعدادهم فلعمري ليصبرن لهم فإنهم عرب ، والعدة تصبر للعدة فيقاتلون كل القتال .
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : تجهّز يا معقل إليهم ، فندب معه ألفين وكتب عليه السلام إلى عبد اللّه بن العباس رحمه اللّه بالكتاب الآتي ، وأمره فيه أن يمدّه بالبصرة أيضا بألفي رجل .
هامش
( 3 ) هذا ما لخّصناه من عبارة الثقفي والطبري ، وأسقطنا منها ما لا يخل بالمراد .
( 4 ) أخذته العزّة بالإثم ، أي حملته العزّة التي فيه - من الغيرة والحميّة - على الاثم المنهي عنه ، وألزمته ارتكابه ، يقال : « أخذته بكذا » : حملته عليه . وصمدنا صمدهم : قصدنا قصدهم ، ودلكت الشمس - من باب نصر - : اصفرّت وجنحت للمغيب .