وبيّن اللّه فضلهم في القرآن الحكيم ، وأنت يا معاوية وأبوك وأهلك في ذلك الزّمان أعداء الرّسول ، مكذّبون بالكتاب ، مجمعون على حرب المسلمين ، من لقيتم منهم حبستموه وعذّبتموه وقتلتموه حتّى إذا أراد اللّه تعالى إعزاز دينه وإظهار رسوله « 3 » دخلت العرب في دينه أفواجا ، وأسلمت هذه الأمّة طوعا وكرها ، وكنتم ممّن دخل في هذا الدّين إمّا رغبة وإمّا رهبة ، [ على حين فاز أهل السّبق بسبقهم ، وفاز المهاجرون الأوّلون بفضلهم ] « 4 » فليس ينبغي لكم أن تنازعوا أهل السّبق ومن فاز بالفضل ، فإنّه من نازعه منكم فبحوب وظلم « 5 » فلا ينبغي لمن كان له قلب أن يجهل قدره ، ولا [ أن ] يعدو طوره ولا [ أن ] يشقى نفسه بالتماس ما ليس له « 6 » .
إنّ أولى النّاس بهذا الأمر قديما وحديثا أقربهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « 7 » وأعلمهم بالكتاب وأفقههم في الدّين وأفضلهم جهادا وأوّلهم إيمانا وأشدّهم اضطلاعا بما تجهله الرّعيّة من أمرها « 8 » فاتّقوا اللّه الّذي إليه
هامش
( 3 ) أي إبراز أمره بعد خفائه ، وغلبته على أعدائه بعد ضعفه ومقاساته أذاهم وشديد بطشهم .
( 4 ) بين المعقوفين مأخوذ من كتاب صفين ، وفيه « فلا ينبغي » بدل « فليس ينبغي » .
( 5 ) وفي كتاب صفين : « فلا ينبغي لمن ليست له مثل سوابقهم في الدّين . ولا فضائلهم في الإسلام أن ينازعهم الأمر الذي هم أهله وأولى به فيحوب بظلم » إلخ . والحوب - بضم الحاء وفتحها وسكون الواو - والحوبة - بالتاء مثلهما - والحاب والحابة : الاثم ، يقال :
« حاب - من باب قال - حوبا وحوبا وحوبة وحوبة وحابا وحيابة بكذا » : أثم وأذنب .
( 6 ) الطور - كقول - : القدر . الحد ، والجمع أطوار . و « يشقى » : ضد « يسعد » وبابه « علم » .
( 7 ) والأولوية تعيينية كما في قوله تعالى :« وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ »فلاحظ لمعاوية ومن وطد أساسه في الخلافة .
( 8 ) وكل من يتأمل في السير أدنى تأمل ، ويراجع إلى ما تفوه به المشايخ الثلاثة طيلة حياتهم يعلم قطعيا ويتبين له أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام كان متفردا بالأعلمية والأفقهية وأفضلية الجهاد ، وأولية الايمان ، وأشدية الاضطلاع - أي القوة والنهوض - بما تجهله الرعية ، فهو الامام دون الجهال الجبناء الضعفاء .