جمعتني وإيّاك جوامع الأقدار ، لأتركنّك مثلا يتمثّل به النّاس أبدا ، ولأجعجعنّ بك في مناخك « 9 » حتّى يحكم بيني وبينك وهو خير الحاكمين .
ولئن أنسأ اللّه في أجلي لأغزينّك سرايا المسلمين ولأنهدنّ إليك في جحفل من المهاجرين والأنصار ، ثمّ لا أقبل لك معذرة ولا شفاعة ، ولا أجيبك إلى طلب وسؤال ، ولترجعنّ إلى تحيّرك وتردّدك وتلدّدك « 10 » فقد شاهدت وأبصرت ، ورأيت سحب الموت كيف هطلت عليك بصيّبها حتّى اعتصمت بكتاب أنت وأبوك أوّل من كفر وكذّب بنزوله ، ولقد كنت تفرّستها وآذنتك أنّك فاعلها « 11 » وقد مضى منها ما مضى ، وانقضى من كيدك فيها ما انقضى ، وأنا سائر نحوك على أثر هذا الكتاب ، فاختر لنفسك وانظر لها وتداركها ، فإنّك إن فرّطت واستمررت على غيّك وغلوائك حتّى ينهد إليك عباد اللّه ، أرتجت عليك الأمور « 12 » ومنعت أمرا هو اليوم منك مقبول .
هامش
( 9 ) أولي لك : أحلف وأقسم لك . « ولا جعجعن » : لأضيقن عليك ، ولأحركنك من مكانك .
و « المناخ » - بضم الميم - : محل الإقامة ، والموضع الذي يعيش فيه الشخص .
( 10 ) أنسأ اللّه في أجلي : أخر فيه . و « لأغزينك » أرسل إلى حربك . و « السرايا » : جمع السرية - كبرايا وبرية - : قطعة من الجيش . ويقال : « نهد إلى العدو وللعدو - : من باب منع ونصر - نهدا ونهودا ونهدا ك - فلسا وفلوسا وفرسا - : أسرع في قتالهم وبرز . و « أنهد فلانا - من باب أفعل - : أشخصه . و « الجحفل » : الجيش العظيم . و « التلدد » : التحير .
( 11 ) السحب : جمع السحاب وهو الغيم . وهطل المطر - من باب ضرب - هطلا وهطلانا وتهطالا : نزل متتابعا عظيم القطر ، فهو هاطل وهي هاطلة ، والجمع هطل . و « الصيب » :
السحاب ذو المطر ، وهو فيعل من قولهم « صاب المطر صوبا - من باب قال - : انصب ونزل .
أقول : هذه الفقرات من هذا الكتاب الشريف ظاهر في أنه عليه السّلام كتبه إلى معاوية بعد انقضاء وقعة صفين في النفر الثاني إلى حرب معاوية .
( 12 ) الغلواء - بضم الغين وسكون اللّام المعجمة ، كالغلوان على زنة ثعبان ، والغلواء كأمراء - :
الغلو وهو المبالغة في الشيء متجاوزا عن حدّه . أول الشباب ونشاطه . و « ينهد إليك - من باب منع ونصر - نهدا ونهودا ونهدا » : برز وأسرع . و « أرتجت عليك الأمور » : استغلق عليك باب المفر من أمورك وما قدمت يداك . يقال : « أرتج الباب ارتاجا - كرتجه رتجا من باب نصر - : أغلقه اغلاقا وثيقا .