أمّا بعد فإن اللّه اصطفى محمدا بعلمه ، وجعله الأمين على وحيه ، والرسول إلى خلقه ، واجتبى له من المسلمين أعوانا أيّده اللّه بهم ، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام ، فكان أفضلهم في إسلامه ، وأنصحهم للّه ولرسوله الخليفة من بعده ، وخليفة خليفته ، والثالث الخليفة المظلوم عثمان ، فكلهم حسدت ، وعلى كلّهم بغيت ، عرفنا ذلك في نظرك الشزر ، وفي قولك الهجر ، وفي تنفسك الصعداء ، وفي إبطائك عن الخلفاء ، تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش حتّى تبايع وأنت كاره « 5 » ثمّ لم تكن لأحد منهم بأعظم حسدا منك لابن عمّك عثمان ، وكان أحقهم أن لا تفعل به ذلك في قرابته وصهره ، فقطعت رحمه وقبحت محاسنه وألّبت الناس عليه ، وبطنت وظهرت حتّى ضربت إليه آباط الإبل ، وقيدت إليه الخيل العراب « 6 » وحمل عليه السّلاح في حرم رسول اللّه ، فقتل معك في المحلّة ، وأنت تسمع في داره الهائعة « 7 » لا تردع الظن والتهمة عن
هامش
( 5 ) يقال : « شزر - من باب ضرب - شزرا الرجل وإليه » : نظر إليه بجانب عينه مع اعراض أو غضب . وهذا بحسب الخارج يكون من أنحاء نظر العدو إلى عدوه .
والهجر - كقفل - : الكلام القبيح . الافحاش في النطق . الاسم من الاهجار ، يقال :
« اهجر بفلان اهجارا » أستهزأ به وقال فيه قولا قبيحا . و « تنفس الصعداء » : التنفس الطويل الممدود الذي يخرجه جريح القلب من رئته القريحة وفؤاده المحروق . و « الفحل » :
الذكر من كل حيوان . ويستعار غالبا ويستعمل في الجمل لظهور قوته ومهيب صولته إذا سكر أو أبي عن الانقياد . و « المخشوش » : الذي جعل في أنفه الخشاش - بكسر الخاء - وهو عود يجعل في عظم أنف الجمل - ويقال له بالفارسية « مهار » على زنة نهار - وهذه الاعترافات من معاوية وأشباهه - مما تعاضدها الشواهد الكثيرة ، والآثار المتواترة الجملة الغفيرة مما تجعل أساس معاوية - ومن وطده وزرعه له ومن سقاه ورباه - كشفا جرف هار .
( 6 ) ألبت عليه - من باب أفعل - : أفسدت عليه . ويقال : « ألب - من باب ضرب ونصر - ألبا - كضربا - وألب البابا » : جمع . وألب ألبا - من باب نصر - وتألب تألبا » : تجمع وتحشد . و « قيدت » : جرت وسيقت . و « الخيل العراب » : كرائم سالمة عن الهجنة . ومثله « الإبل الاعرب والخيل الاعرب » على زنة أفلس - .
( 7 ) الهائعة : الصيحة ، يقال : هاع يهاع هوعا » : جزع . القوم بعضهم إلى بعض : هموا بالوثوب . و « المهوع » و « المهواع » : الصياح في الحرب .