والنّهي عن المنكر لم يقرّبا أجلا ولم يقطعا رزقا ، إنّ الأمر « 3 » ينزل من السّماء إلى الأرض كقطر المطر إلى كلّ نفس بما قدّر اللّه لها من زيادة أو نقصان ، فإن أصاب أحدكم مصيبة في أهل أو مال أو نفس ورأى عند أخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفس « 4 » فلا تكوننّ عليه فتنة ، فإنّ المرء المسلم البريء من الخيانة - ما لم يغش دناءة تظهر فيخشع لها « 5 » إذا ذكرت ويغرى بها لئام النّاس - كان كالفالج الياسر الّذي ينتظر أوّل فوزة من قداحه توجب له المغنم ، ويدفع بها عنه المغرم « 6 » وكذلك المرء المسلم البريء من الخيانة ، ينتظر من اللّه تعالى إحدى الحسنيين : إمّا داعي اللّه ، فما عند اللّه خير له ، وإمّا رزق اللّه فإذا هو ذو أهل ومال ومعه دينه وحسبه .
إنّ المال والبنين حرث الدّنيا ، والعمل الصّالح حرث الآخرة ، وقد يجمعهما اللّه لأقوام .
فاحذروا من اللّه ما حذّركم من نفسه ، واخشوه خشية ليست بتعذير « 7 » واعملوا في غير رياء ولا سمعة ، فإنّه من يعمل لغير اللّه يكله اللّه إلى من عمل له [ ومن عمل للّه مخلصا تولّى اللّه ثوابه ] . « 8 »
هامش
( 3 ) الظاهر من السياق ما بعده أن المراد من الأمر هو أمر الرزق والتمتع بالثروة والمال .
( 4 ) الغفيرة : الزيادة والكثرة . والمراد من الفتنة هاهنا هو إعمال الحسد .
( 5 ) ما لم يغش - من باب رضي ودعا - : ما لم يأت وما لم يرتكب . « فيخشع » من باب منع - : فينكسر ويخضع ويذل حياء وخجلا .
( 6 ) ومثله في المختار : ( 22 ) من نهج البلاغة وكثير من مصادر الكلام ، وفي رواية الثقفي المتقدمة وبعض طرق ابن عساكر : « كالياسر الفالج » . والفالج : الغالب الظافر بمأموله .
والياسر : الذي يلعب بقداح الميسر أي المقامر .
( 7 ) أي بذات تعذير أي تقصير ، أي خشية لا يكون فيها تقصير يتعذر معه الاعتذار .
( 8 ) ومن قوله : « فاحذروا من اللّه - إلى قوله - مرافقة الأنبياء » تقدم بسند آخر - مع زيادات غير موجودة هنا - في المختار : ( 135 ) من ج 1 ، ص 473 ، وما بين المعقوفين أيضا مأخوذ منه ، وفيه أيضا : « فإنه من عمل لغير اللّه وكله اللّه . . . » . وهو أظهر .
والرياء : إتيان العمل بمرأى من الناس ليحصل منهم ما يهمه . والسمعة : إتيانه بمسمع من الناس كي ينال منهم مقصوده .