وخلصوا إلى دار قوم جفّت أقلامهم « 13 » [ و ] لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر ، قلّ في الدّنيا لبثهم وعجّل إلى الآخرة بعثهم ، فأصبحتم حلولا في ديارهم ظاعنين على آثارهم ، والمطايا بكم تسيرا سيرا ، ما فيه أين ولا تفتير « 14 » نهاركم بأنفسكم دؤوب ، وليلكم بأرواحكم ذهوب « 15 » فأصبحتم تحكون من حالهم حالا ، وتحتذون من مسلكهم مثلا : « 16 » فلا تغرّنّكم الحياة الدّنيا فإنّما أنتم فيها سفر حلول [ و ] الموت بكم نزول ، تنتضل فيكم مناياه ، وتمضي بأخباركم مطاياه « 17 » إلى دار الثّواب والعقاب ، والجزاء والحساب .
فرحم اللّه امرأ راقب ربّه وتنكّب ذنبه « 18 » وكابر هواه وكذّب مناه ، [ ورحم اللّه ] امرأ زمّ نفسه من التّقوى بزمام ، وألجمها من خشية ربّها
هامش
( 13 ) جف الأقلام كناية عن إخماد شوكتهم وانطفاء آثار مكنتهم وسلطتهم . أو أنّه كناية عن جفاف أقلام حفظة أعمالهم وقاسمي أرزاقهم .
( 14 ) الأين - بفتح الهمزة وسكون الياء - : التعب والإعياء . والتفتير - كالفتور - : السكون بعد الحدّة ، واللّين بعد الشدّة .
( 15 ) يقال : « دأب زيد في العمل - من باب منع - دأبا ودأبا ودؤوبا » : جدّ وتعب ، فهو دائب ودؤوب . و « دأب الدابة » : ساقها شديدا .
ويقال : « ذهب عمرو بالشيء - من باب منع - ذهابا وذهوبا ومذهبا » : استصحبه وذهب به معه . أزاله من مكانه . وأذهبه وأذهب به : أزاله من مكانه . والذهوب - كصبور - : الذاهب .
( 16 ) تحتذون : تقطعون وتسلكون . و « مثالا » مسلكا أي أنتم سائرون على منهاجهم إلى من له الخلق والأمر .
( 17 ) السفر : جمع السافر . وحلول : نازلون . ونزول : واردون . وتنتضل : تترامى . والمنايا : جمع المنية . والمطايا : جمع المطية .
( 18 ) تنكب ذنبه : عدل عنه وولاه منكبه وأقبل نحو غيره . اجتنبه واعتزله .