وموعظة العبرة « 5 » وسنّة الأوّلين ، فمن تبصّر في الفطنة تأوّل الحكمة ، ومن تأوّل الحكمة عرف العبرة ، ومن عرف العبرة فكأنّما عاش في الأوّلين .
والعدل على أربع شعب : على غائص الفهم وغمرة العلم ، وزهرة الحكمة ، وروضة الحلم « 6 » ، فمن فهم فسّر جمل العلم ، ومن علم شرح غرائب الحكم ، ومن كان حليما لم يفرط في أمر يليه في النّاس « 7 » .
والجهاد على أربع شعب : على الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، والصّدق في المواطن وشنآن الفاسقين « 8 » .
فمن أمر بالمعروف شدّ ظهر المؤمن ، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق « 9 » ، ومن صدق في المواطن « 10 » قضى الّذي عليه ، ومن شنأ
هامش
( 5 ) الفطنة : الحذق وجودة الفهم . وتأول الحكمة : الوصول إلى دقائقها . وموعظة العبرة أي الاتعاظ والاعتبار بأحوال الأمم الماضية ، وما رزئوا به عند الغفلة ، وحظوا به عند الانتباه .
( 6 ) كأن الجميع من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي على الفهم الغائص والعلم الغامر - أي المحيط - والحكمة الزاهرة - أي النيرة المتلألئة - والحلم الذي يجلب النفوس إلى الانسان كانجذاب النفوس إلى الروضة والبستان .
( 7 ) ومن هنا « أي من قوله » : « ومن كان حليما » إلى قوله : « في الناس » اختلفت نسخ الخصال أشد اختلاف ، وما ذكرناه عنه هنا طبقا لبعض النسخ وإن كان صوابا بحسب المعنى ، لكن مخالفته للسياق ، واتفاق طرق الحديث - المنقولة بروايات غيره - تدلنا على وقوع التصحيف في هذا الموضع من النسخة . وفي جلّ الطرق - أو كلّها - هكذا : « ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش في الناس حميدا » .
( 8 ) الشنآن - كرمضان - : البغض . وهذا جهاد قلبي ، وما قبله جهاد فعلي ، والأولان قوليان .
( 9 ) أي دلك أنف المنافق بالرغام أي ألصقة بالتراب وأذله .
( 10 ) أي من استقام في مواطن القتال مع أعداء اللّه وأظهر التصلب والجلادة عند محاربتهم فقد أتى ما كان عليه ، أو من صدق فعله في مواضع الجهاد قوله عند إظهار الايمان والانقياد للّه تعالى ، فقد قضى ما عليه ووفى بما وعد ، ولعلها للمعنى الثاني الصق بقوله تعالى :« مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ».