ولم يتقدّمه زمان ، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان « 4 » ولم يوصف بأين ولا بم ولا بمكان « 5 » الّذي بطن من خفيّات الأمور ، وظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التّدبير ، الّذي سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحدّ ولا بنقص بل وصفته بأفعاله « 6 » ودلّت عليه بآياته ، ولا تستطيع عقول المتفكّرين جحده ، لأنّ من كانت السّماوات والأرض فطرته وما فيهنّ وما بينهنّ وهو الصّانع لهنّ فلا مدفع لقدرته « 7 » ، الّذي بان من الخلق فلا شيء كمثله ، الّذي خلق الخلق لعبادته « 8 » ، وأقدرهم على طاعته بما جعل فيهم ، وقطع عذرهم بالحجج فعن بيّنة هلك من هلك ، وعن بيّنة نجا من نجا « 9 » وللّه الفضل مبدئا ومعيدا .
ثمّ إنّ اللّه - وله الحمد - افتتح الكتاب بالحمد لنفسه ، وختم أمر الدّنيا ومجيء الآخرة « 10 » بالحمد لنفسه فقال :
« وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ »
هامش
( 4 ) أي لا تتداوله الزيادة والنقصان ولا يعرضانه .
( 5 ) قيل : معنى قوله : « لا يوصف بم » أي انه تعالى لا يوصف بما هو بل يوصف بفعاله كما قال إبراهيم عليه السّلام :« رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ». وكما قال موسى عليه السّلام :« رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ».
( 6 ) وفي الكافي : « فلم تصفه بحد ولا ببعض بل وصفته بفعاله » .
( 7 ) وفي الكافي : « فلا مدفع لقدرته ، الذي نأى من الخلق » . و « نأى » : بعد ارتفع .
( 8 ) وفي الكافي : « الذي خلق خلقه لعبادته » . والمراد من الخلق - هنا - ذوي العقول كما في الآية : ( 56 ) من سورة والذاريات :« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ».
( 9 ) وفي الكافي : « وبمنه نجا من نجا » .
( 10 ) وفي الكافي : « ثمّ إن اللّه وله الحمد افتتح الحمد لنفسه وختم أمر الدنيا ومحل الآخرة بالحمد لنفسه » . و « محل الآخرة » أي حلولها ، مصدر ميمي . قيل : والآخرة عبارة عن القرار في الجنة أو النار ، وحلولها إنما يكون عند الفراغ من القضاء بين الخلائق الذي هو من أمر الدنيا ، فختم الدنيا وحلول الآخرة كلاهما إنما يكونان بالحمد المقول بعد الفراغ من القضاء بينهم ولهذا فرع عليه السّلام عليه ذكر الآية الكريمة .