والدوح عاد إلى التصابي وانبرى * ماء الحياة يسيل من أعضائه
طرب العنادل والقمارى غرّدت * فوق الغصون اللدن في أفنائه
واخضرّ روض العيش بعد ذبوله * فاخضرّت الأحلام في أنحائه
وتناشد العشّاق ألحان الهوى * وفنون موسيقاه في أصدائه
ومواكب النور استطالت في الفضا * فسمت من البطحا إلى جوزائه
فاسمع صفيف الغصن حيث تحيله * طلق النسيم ومرتقى ورقائه
لاحت تباشير الصباح نديةً * بالطلّ فاستنشق شذا صهبائه
والبيت شعّ بركنه ومقامه * وسرى بزمزمه السنا وصفائه
واستبشرت عرفاته شوقاً إلى * النبأ العظيم يمور في أبهائه
خرجت بكنز اللَّه حيرى امّه * حيث اقتضى التكوين من إبدائه
حملته فانتبذت به البيت الذي * خصّت لوضع وليدها بلوائه
فأجاء فاطمة المخاض وقد جلا * في الأرض سيف اللَّه من عليائه
وأتى عليٌ ساجداً وجبينه * أثر السجود يلوح في سيمائه
ولد الذي نسف التماثيل التي * نصبت ببيت اللَّه في أفنائه
ولد الذي دكّ العروش وكان في * الهيجا ملوك الأرض من اسرائه
ولد الذي خضعت لقائم سيفه * أسد الشرى والوحش في بيدائه
ولد الذي بوجوده نشر الهدى * والدين تمّ بأرضه وسمائه
يلقي الكتائب والخيول بصرخةٍ * فتفرّ ناكصةً لرعب ندائه
ما إن أتاه القرم إلّا و * انبرى الناعون قبل نزاله لرثائه
فيكاد إذ يومي بذات فقاره * يأتي على الجرّار في إيمائه
تبدي الفوارس في الوغى سوآتها * خوف القضا من بطشه ومضائه
سل بسر وابن العاص لمّا أضحكا * الجيشين في صفّين عند لقائه
فأشاح عن مرأى الرذيلة وجهه * لعلوّ همّته وفرط حيائه
وكذاك عن مروان حين أجاره * الحسنان عفّ وكان من عتقائه
ما شاد صرح الدين إلّا سيفه * فتحمّل الصدمات في أعلائه