ولم يسبقه أحد إلى المبالغة في برق الثغر حتّى أوضح له مواضع اللثم مع حسن الاستعارة . ومن شعره :
خذي نفسي يا ريح من جانب الحمى * فلاقي بها ليلًا نسيم ربى نجد
فإنّ بذاك الحيّ حبّاً عهدته * وبالرغم منّي أن يطول به عهدي
شممت بقلبي شيحة حاجرية * فأمطرتها دمعي وأفرشتها خدّي
ذكرت بها ريّا الحبيب على النوى * وهيهات ذا يا بعد بينهما عندي
وإنّي لمجبول لي الشوق كلّما * تأّوه شاكٍ أو تنفّس ذو وجد
والقصيدة التي رثي بها الحسين بن علي عليهما السلام في يوم عاشوراء سنة ( 391 ) وهي من المعجزات ، وهي :
هذي المنازلُ بالغَميم فَنادِها * وامنح « 1 » سخيّ العين بعد جمادها
إن كان دينٌ للمعالم فاقضه * أو مُهجةٌ عند الطُلول فَفادها
يا هل تَبُلُّ من الغليل إليهم * إشرافةٌ للركب فوقَ نِجادها
نُؤي كمُنعَطفِ الحنيّة دونَه * شجم « 2 » الخدود لهنّ إرثُ رَمادها
ومناطُ أطنابٍ ومقعدُ فتيةٍ * تخبو زنادُ الحيّ غيرَ زِنادها
ومَجرُّ أرسان الجِياد لغِلمةٍ * سجفوا البُيوت بشُقرها ووِرادها
ولقد حبستُ على الديار عصابةً * مضمومةَ الأيدي على أكبادها
حَسرى تَجاوَبُ بالبكاء عيونُها * وتعُطّ بالزفرات من أبرادها
وقفوا بها حتّى كأنّ مطيّهم * كانت قوائمُهنّ من أوتادها
ثمّ انثنت والدمعُ ماءُ مَزادها * ولواعجُ الأشجان من أزوادها
من كلّ مشتملٍ حمائلَ رَنّةٍ * قطرُ المدامع من حليّ نِجادها
حيّتك بل حيّتْ طُلُولَك ديمةٌ * يشفي سقيمَ الربع نفثُ عِهادها
وغدت عليك من الخمائل يَمنةً * تَستامُ نافِقةً على رُوّادها
هامش
( 1 ) في الديوان : واسكُب .
( 2 ) في الديوان : سُحمُ .