إلّا قال مضمومة الأيدي على أكبادها .
وذكر المؤرّخون أنّه نظم جيّد الشعر وهو في عشرة أعوام من عمره ، وأوّل ما ظهرت فطنته إنّه حضر إلى الامام السيرافي ليلقّنه النحو ، فكان يلقّنه ، فقال له يوماً : إذا قلنا رأيت عمر ، فما علامة النصب في عمر ؟ قال : بغض علي ، فعجب السيرافي من فطنته ، واستدلّ على نجابته .
وكان عالي الهمّة ، كبير النفس ، لا يرى له كفواً اللّهمّ إلّا الخليفة ، ومع ذلك يعرّض بأنّه غاضب في أشعاره ، ولم يقبل صلة أحد ، ولا والده أبيأحمد ، كما ذكر العزيز بن أبيالحديد في شرح نهج البلاغة : وكان إماماً في عدّة فنون ، منها الشعر والنحو واللغة والتفسير والفقه ، وجمع خطب جدّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وسمّى المجموع نهج البلاغة ، ومن مصنّفاته معاني القرآن .
قال ابن خلّكان : إنّ غيره لا يلحقه فيه .
وله ديوان مشهور جمعه أبو حكيم الخيري .
وقال الثعالبي : هو أشعر الطالبيين قديماً وحديثاً على كثرة شعرائهم المفلقين ، ولو قلت إنّه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق .
قلت : وقع الاجماع على فضله وعلمه وأدبه وسموّ همّته . وكان نقيب الطالبيين أجمعين ، وإليه النظر في المظالم والحجّ بالناس أيّام المطيع والطائع والقادر بعد والده أبيأحمد . وولد سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ببغداد ، وفي شعره جزالة مع متانة ولطافة يضع كلًّا منهما مكانه وكلّه مختار ، ومن نسيبه :
يا ليلة السفح هلّا عدت ثانية * سقى زمانك هطّال من الديم
ماضٍ من العيش لو يفدي بذلت له * كرائم المال من خيل ومن نعم
لم أقض فيه لبانات ظفرت بها * فهل لي اليوم إلّا زفرة الندم
قد بتّ فيه بلا رقبى ولا حذر * على الذي نام عن عيني ولم أنم
ردّوا عليّ ليالي التي سلفت * لم أنسهنّ وما بالعهد من قدم
بتنا أعفّ مبيت باته بشر * يلفّنا الشوق من فزع إلى قدم
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي * مواضع اللثم في داجٍ من الظلم