ولم يعلموا أنّ المدامع أصلها * من القلب لا من مقلة ذات حاجب
بنفسي من بالأجولية « 1 » قبره * تمرّ به ريح الصبا والجنائب
معطّلة أكنافه عن زيارة * بعيد مدىً عن حسّر ونوادب
إذا ذكرته النفس كادت بذكره * تفيض على ماء الجفون السواكب
أعاذلتي كفي عن اللوم في البكا * فلست بباك غير خلّ وصاحب
ذريني ابكّي سيّداً لو وزنته * بكلّ كريم لارجحنّ بجانب
فما بكت الباكون مثلك مالكاً * ولا خمّشت فيه خدود الكواعب
فمن لجياذ الخيل والبيض والقنا * إذا دلفت تبغي قراع الكتائب
ومن لليتامى والأرامل أقفرت * معالمهم من برّه المتعاقب
ومن لغراث مرملين تطاوحت * بهم يعملات من طلاح النجائب
ومن ذا يجير الجار أو يكشف الأذى * عن القوم في عليا لؤي بن غالب
فجعت به دون البرية واحداً * فما مثله في شرقها والمغارب
فاقسم بالبيت العتيق ومن سعى * بمكّة سعياًبين ماش وراكب
لما وجد امّ الذرع قد خنست له * بزيزاء مرت في السنين اللوازب
رمى صيرها شيم البروق وغودرت * على طفلها تقفو به إثر ذاهب
غدت ترتعي فضل اليبيسين وانثنت * فلم تلق منه غير ملقى العراقب
وولّت وقد أودى بها فقد ذرعها * يقطّع من أوصالها كلّ صالب
ولا وجد ربدا ذات وحي خلت به * عن الهيق في أعلا عياس السباسب
نأت تفتلي زهر الرياض وغادرت * دفينتها بين الربا فالجوانب
فهذّلت الوطفا هذاليل فانتحت * إليه كما ينحو شريد المجانب
فوافته يتلو بعضه البعض سابحاً * فمن بين طاف مستقرّ وراسب
تولّت ونيران الأسى قد تأجّجت * كأنّ بجنبيها دفوف الضوارب
ولا ذات طوق من حمائم أيكة * بنعمان تسجو في الضحى والغياهب
هامش
( 1 ) في العقد : بالأحولية .