أمير مكّة وأشرافها كلّ تجلّة واحترام .
ثمّ عاد إلى تريم وأقام بها إلى سنة ( 1288 ) ثمّ رحل في العام المذكور إلى عدن وما جاورها من اليمن ، واتّصل بامراء لحج ورجال تلك الجهات ، فعرفوا فضله وانتفعوا به ، ورغبوا في إقامته عندهم ، فلم يرض بل توجّه إلى الشرق الأقصى ، ودخل كثيراً من مدنه وأقام به نحو أربع سنين قضى جلّها في جزيرة جاوا في بلدة سوربابا ، وتعاطى فيها التجارة وكلّلت أعماله بالنجاح ، إلّا أنّه آثر الزهد وقنع بما حصله .
وعاد إلى وطنه عام ( 1292 ) واشتغل بالتدريس والافتاء والدعوة إلى مذهب السلف ، ونبذ الرعونات والبدع ، وقد عاداه بعضهم من أجل ذلك وحسده البعض ، واوذي ايذاءً بالغاً ، ولم يصدّه ذلك عمّا جبل عليه من السعي في نفع العباد وخدمة الصالح العام ، فقد نشبت حرب في عام ( 1292 ) واستمرّت إلى أوّل عام ( 1294 ) بين أمير يافع سلطان الشحر وامراء آل كثير سلاطين تريم وسيون ، واشتدّ البلاء والضرر ، فسعى السيد أبو بكر المذكور في إخماد تلك الحرب ، حتّى تمّ الصلح على يده وبجدّه ونفوذه ، وكفى اللَّه شرّها ، ثمّ حدثت حوادث يقصد بها مضايقته ، فاختار هجر تلك البلاد ، فارتحل عنها عام ( 1302 ) كما أشار إلى تلك الأحوال في بعض أشعاره وتصانيفه .
وبعد مفارقته وطنه طاف في بلاد كثيرة منها عدن ولحج والحجاز مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة ، ثمّ زار القطر المصري فالشام والقدس ، ثمّ الآستانة ، ولقي من امراء وعلماء تلك الأقطار كلّ إجلال وإعظام . وواجه سلطان الترك بالآستانة ، وقلّده الوسام المجيدي المرصّع ، وأهدى له سيفاً ، وأحبّه كثير من أهل النفوذ والفضل .
ثمّ ذهب إلى الشرق ، واختار الإقامة في حيدرآباد دكن بالهند ، وانتفع به كثير ممّن هناك ، وكان الملجأ لحلّ المشكلات العلمية ، وتولّى التدريس في مدرستها النظامية ، وصحّح عدداً ممّا طبع من الكتب النافعة الدينية ، وقد طالت إقامته بحيدرآباد ، وتأهّل بها ورزق أولاداً ، وتردّد من الهند إلى جاوه وما قاربها .
ثمّ في عام ( 1331 ) عاد المترجم له من الهند إلى وطنه ، وصحب معه جميع ولده ، وذلك بعد غيبته عنها نحو ثلاثين سنة ، لم يغب فيها عن وطنه برّه ومعروفه وخدمته ، فقوبل بها مقابلة لم نعلم أنّ أحداً قوبل بمثلها حتّى ولا سلاطينها ، وكان يوم دخوله تريم
الأدباء من آل أبي طالب ( ع ) — صفحة 35
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٣٥