وأحاط إلينا الفقر والعسر ، وذهب عنّا اليسر ، فنحن في عويل ورحيل من قرية إلى قرية ، وناحية إلى ناحية ، فسنة نسكن هذه وأخرى أخرى ، إلى أن مضت سنين ونحن في كدّ بلا يمين ، إذ الإخوة صغار وأصاغر ، وأنا مليس صفير من الصنائع والأضافر ، فبقيت بتعريق الجبين من الانفعال عنهم في ضيق وأنين .
فبعد ما أحاطتني الهموم ، وحصرتني الغموم ، أمرتني والدتي بالهجرة إلى قزوين لتحصيل علوم الدين ، وعاهدتني بعيلولة العيال في جميع الأحوال مع اليسر والعافية ، أو عسر وخافية .
فشددت رحلًا بلا راحلة ، وألزمت الطريق بلا غايلة ، فلمّا وصلت القزوين سكنت مدرسة تسمّى ب « الپيغمبرية » واشتغلت بقراءة المعالم في الأصول ، والروضة في الفروع ، وباحثت في المقدّمات نحواً وميزاناً وبياناً باستغراق الزمان ليلًا ونهاراً ، فاتّفق ارتحال السلطان محمّد شاه .
ولمّا يمض منذ ستّة أشهر من إقامتي ، فتشتّت شمل أهالي البلدة ، وانقلبت حالاتهم ، وارتفعت تسعيراتهم ، بحيث لم يمكن لي الإقامة ، وذهبت عنّي الاستقامة ، فراجعت إلى الوطن مع التأوّه والحسرة .
فبعد ما لاقتني والدتي لامتني أشدّ اللوم ، فعرضتني الندامة ، وعرقتني الملامة ، فما مكثت إلّا أيّاماً قلائل حتّى قهرتني إلى الرجوع بالدلائل .
فبعد ما مضت ستّة أيّام من الورود ، وأنكرتني في كلّ حالاتي من القيام والقعود ، أخذت السير في الطريق بلا راحلة وزاد وسويق ، وبعد وصولي إلى القزوين آليت ألّا أرجع إلّا بعد أن كان حملي ملآن ، وعطاشي ريّان .
فاشتغلت في مدرسة بعد مدرسة سبع سنين ، واستغنيت من السطوح والمتون ، وكتبت في الأصول تقريرات المشايخ كراريس ، واختلفت في العلوم الرياضية في
مرآة المراد في تحقيق مشتبهات رجال الأسناد — صفحة 702
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٧٠٢