فما زلت بين الأياس والرجاء متفكّراً في أمري ، وعاتباً على نفسي ، وقد جنّ الليل ، وأردت « 1 » أن يخلو وجه الكعبة لأطوف بها ، وأسأل اللَّه أن يعرّفني أملي فيها ، فبينا أنا كذلك وقد خلا لي وجه الكعبة ، إذ قمت إلى الطواف ، فإذا أنا بفتى مليح الوجه ، طيّب الريحة ، متّزر ببردة ، ومتّشح بأخرى ، وقد عطف بردائه على عاتقه ، فحرّكته « 2 » ، فالتفت إليّ ، فقال : ممّن الرجل ؟ فقلت : من الأهواز ، فقال :
أتعرف بها ابن الخضيب ؟ فقلت : رحمه اللَّه دعي فأجاب ، فقال : رحمه اللَّه فلقد كان بالنهار صائماً ، وبالليل قائماً ، وللقرآن تالياً ، ولنا موالياً .
قال : أتعرف بها علي بن مهزيار ؟ فقلت : أنا علي بن مهزيار ، فقال : أهلًا وسهلًا بك يا أبا الحسن ، أتعرف الصريحين ؟ قلت : نعم ، قال : ومن هما ؟ فقلت : محمّد وموسى ، قال : وما فعلت العلامة بينك وبين أبيمحمّد عليه السلام ؟ فقلت : معي ، فقال :
اخرجها إليّ ، فأخرجت إليه خاتماً حسناً على فصّة محمّد وعلي ، فلمّا رآه بكى ملياً ، وأقبل يبكي بكاءً طويلًا ، وهو يقول : رحمك اللَّه يا أبامحمّد ، فلقد كنت إماماً عادلًا ابن أئمّة وأبا إمام ، أسكنك اللَّه الفردوس الأعلى مع آبائك .
ثمّ قال لي : يا أبا الحسن صر إلى رحلك ، وكن على أهبة السفر ، حتّى إذا ذهب بالثلث من الليل وبقي الثلثان ، فالحق بنا ، فإنّك ترى مناك .
قال ابن مهزيار : فانصرفت إلى رحلي أطيل الفكر حتّى إذا هجم الوقت ، فقمت إلى رحلي فأصلحته ، وقدّمت راحلتي وحملتها ، وصرت في متنها حتّى لحقت الشعب ، فإذا أنا بالفتى هناك يقول : أهلًا وسهلًا بك يا أبا الحسن ، طوبى لك فقد اذن
هامش
( 1 ) في الكمال : الليل فقلت أرقب إلى .
( 2 ) في الكمال : فرعته .