وقد توكّلوا على اللّه وأقفلوا عليها ، وإن شئت أخذت سيفك وأخذت سيفي ، وخرجنا جميعاً إلى الحيرة ، فإنّ بها تجّاراً مياسير ، فدخلنا على بعضهم ، فأخذنا ماله ، فقال : أو سارق جئت ؟ قال : تسرق من واحد خير من أن تسرق من المسلمين جميعاً .
قال له : أفتأذن لي أن أخرج إلى معاوية ، فقال له : قد أذنت لك ، قال : فأعنّي على سفري هذا ، قال : يا حسن أعط عمّك أربعمائة درهم ، فخرج عقيل ، وهو يقول :
سيغنيني الذي أغناك عنّي * ويقضي ديننا ربٌّ قريب « 1 »
وذكر عمرو بن العاص أنّ عقيلًا لما سأل عطاءه من بيت المال ، قال له أمير المؤمنين عليه السلام : تقيم إلى يوم الجمعة ، فأقام ، فلمّا صلّى أمير المؤمنين عليه السلام الجمعة ، قال لعقيل : ما تقول فيمن خان هؤلاء أجمعين ؟ قال : بئس الرجل ذاك ، قال : فأنت تأمرني أن أخون هؤلاء وأعطيك « 2 » .
ومن خطبة له عليه السلام : واللَّه لقد رأيت عقيلًا وقد أملق ، حتّى استماحني من برّكم صاعاً ، وعاودني في عشر وسق من شعيركم يقضمه جياعه ، وكاد يطوي ثالث أيّامه خامصاً ما استطاعه ، ولقد رأيت أطفاله شعث الألوان من ضرّهم ، كأنّما اشمأزّت وجوههم من فقرهم .
فلمّا عاودني في قوله وكرّره ، أصغيت إليه سمعي فغرّه ، وظنّ أنّي أبيع ديني ، وأتبع ما أسره ، أحميت له حديدة لينزجر ، إذ لا يستطيع مسّها ولا يصبر ، ثمّ أدنيتها من جسمه ، فضجّ من ألمه ضجيج دنف يئن من سقمه ، وكاد يسبّني سفهاً من كظمه
هامش
( 1 ) كتاب الفنون للبغدادي ص 47 .
( 2 ) الغارات للثقفي 2 : 550 .