بجدّه السعيد أغلاقها ، مهذّبا بسعيه الحميد أخلاقها ، بالغا غاياتها ، ناشرا راياتها ، تاليا معجزات آياتها ، إلى أن لبس ولده الشريف أبا طالب خلعة ولاية عهده ، وقلّده الأمر من بعده ، وألقى إليه مقاليده من حياته ، فقام بالأمر متهيّئا إلى أحكامه وإشاراته ، سالكا نهج سداده ، واقفا عند مراده ، إلى أن توجّه الشريف حسن إلى نجد ، وقد اكتفى بولده في تشييد معالم المجد .
فلم يزل ذاهبا إلى أن بلغ محلّا يسمّى الفاعية ، وهناك دعاه اللّه إلى لقائه ، فأجاب داعيه بعد أن أقام بذلك المكان مدّة من الزمان ، توعّك يوم الثلاثاء غرّة جمادي الآخرة ، وانتقل ليلة ثالث الشهر إلى نعيم دار الآخرة ، وذلك في سنة عشر بعد الألف .
فحمل إلى مكّة المشرّفة صبيحة تلك الليلة ، وأجهد السير به بغاله وخيله ، وكانت قد اعدّت قبل ذلك في المنازل ، لما علموا أنّ قضاء اللّه به نازل ، فساروا به يوم الخميس والجمعة ، ودخلوا به منتصف ليلة السبت ، وذلك من غايات السرعة ، ويقال : لولا مفارقتهم الطريق ، وقد حصل لهم من الظلام وتراكم الغمام تعويق ، لدخلوا به يوم الجمعة ، مع أنّ المسافة تزيد على عشرة أيام ، وذلك معدود من كرامات هذا القطب الهمام .
وذهب الخبر من حينه المبعوث إلى الشريف أبي طالب ، وكان في جهة المبعوث ، فبادر بالوصول إلى مكّة المعظّمة ، ودخلها ليلة السبت قبل وصول جنازته المكرّمة ، وبمجرّد وصولها بادر إلى تجهيزه بالاهتمام ، وصلّي عليه قبل الفجر بالمسجد الحرام ، ودفن بالمعلّاة الشريفة الشأن ، وبني عليه قبّة عظيمة ، وهي باقية إلى الآن ، مات وله من العمر تسع وسبعون سنة ، ومدّة ولايته مشاركا
تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية — صفحة 131
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص١٣١