تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحدثون من آل أبي طالب ( ع ) — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
أبيه ، عن أبان مولى زيد بن علي ، عن عاصم بن بهدلة ، عن شريح القاضي ، قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام لأصحابه يوماً وهو يعظهم : ترصّدوا مواعيد الآجال ، وباشروها بمحاسن الأعمال ، ولا تركنوا إلى ذخائر الأموال ، فتخلّيكم خدائع الآمال ، إن الدنيا خدّاعة صرّاعة مكّارة غرّارة سحّارة ، أنهارها لامعة ، وثمراتها يانعة ، ظاهرها سرور ، وباطنها غرور ، تأكلكم بأضراس المنايا ، وتبيركم بإتلاف الرزايا ، لهم بها أولاد الموت ، وآثروا زينتها ، فطلبوا رتبتها ، جهل الرجل ، ومن ذلك الرجل المولع بلذّاتها ، والساكن إلى فرحتها ، والآمن لغدرتها ، دارت عليكم بصروفها ، ورمتكم بسهام حتوفها ، فهي تنزع أرواحكم نزعاً ، وأنتم تجمعون لها جمعاً ، للموت تولدون ، وإلى القبور تنقلون ، وعلى التراب تنوّمون ، وإلى الدود تسلّمون ، وإلى الحساب تبعثون . يا ذا الحيل والآراء ، والفقه والأنباء ، اذكروا مصارع الآباء ، فكأنّكم بالنفوس قد سلبت ، وبالأبدان قد عريت ، وبالمواريث قد قسّمت ، فتصير يا ذا الدلال والهيبة والجمال إلى منزلة شعثاء ، ومحلّة غبراء ، فتنوّم على خدّك في لحدك ، في منزل قلّ زوّاره ، وملّ عمّاله ، حتّى تشقّ عن القبور ، وتبعث إلى النشور . فإن ختم لك بالسعادة صرت إلى الحبور ، وأنت ملك مطاع ، وآمن لا يراع ، يطوف عليكم ولدان كأنّهم الجمان ، بكأس من معين ، بيضاء لذّة للشاربين ، أهل الجنّة فيها يتنعّمون ، وأهل النار فيها يعذّبون ، هؤلاء في السندس والحرير يتبخترون ، وهؤلاء في الجحيم والسعير يتقلّبون ، هؤلاء تحشى جماجمهم بمسك الجنان ، وهؤلاء يضربون بمقامع النيران ، وهؤلاء يعانقون الحور في الحجال ، وهؤلاء يطوّقون أطواقاً في النار بالأغلال ، في قلبه فزع قد أعيا الأطبّاء ، وبه داء لا يقبل الدواء . يا من يسلّم إلى الدود ، ويهدى إليه ، اعتبر بما تسمع وترى ، وقل لعينيك تجفو لذّة الكرى ، وتفيض من الدموع بعد الدموع تترى ، بيتك القبر ، بيت الأهوال والبلى ، وغايتك الموت . يا قليل الحياء ، اسمع يا ذا الغفلة والتصريف من ذي الوعظ والتعريف ، جعل يوم الحشر يوم العرض والسؤال ، والحباء والنكال ، يوم تقلب إليه أعمال الأنام ، وتحصى فيه جميع الآثام ، يوم تذوب من النفوس أحداق عيونها ، وتضع الحوامل ما في بطونها ، ويفرق بين كلّ نفس وحبيبها ويحار في تلك الأهوال عقل لبيبها ، إذا تنكّرت الأرض بعد حسن عمارتها ، وتبدّلت بالخلق بعد أنيق زهرتها ، أخرجت من معادن الغيب أثقالها ، ونفضت إلى
المحدثون من آل أبي طالب ( ع ) — صفحة 221 | السيد مهدي الرجائي