جعلها اللّه في صلب الحسين دون صلب الحسن عليهما السلام ؛ لأنّ اللّه تبارك وتعالى هو الحكيم في أفعاله لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون « 1 » .
ولقول اللّه تعالى
( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ )
وجه آخر وما ذكرناه أصله .
والابتلاء على ضربين : أحدهما مستحيل على اللّه تعالى ذكره ، والآخر جائز . فأمّا ما يستحيل فهو أن يختبره ليعلم ما تكشف الأيّام عنه ، وهذا ما لا يصلح ؛ لأنّه عزّوجلّ علّام الغيوب . والضرب الآخر من الابتلاء أن يبتليه حتّى يصبر فيما يبتليه به ، فيكون ما يعطيه من العطاء على سبيل الاستحقاق ، ولينظر إليه الناظر فيقتدي به ، فيعلم من حكمة اللّه عزّوجلّ أنّه لم يكل أسباب الإمامة إلّا إلى الكافي المستقلّ الذي كشفت الأيّام عنه بخبره .
فأمّا الكلمات فمنها ما ذكرناه ، ومنها اليقين وذلك قول اللّه عزّ وجلّ
( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ )
ومنها المعرفة بقدم بارئه وتوحيده وتنزيهه عن التشبيه ، حتّى نظر إلى الكواكب والقمر والشمس ، فاستدلّ بأُفول كلّ واحد منها على حدثه ، وبحدثه على محدثه ، ثمّ علمه عليه السلام بأنّ الحكم بالنجوم خطأ في قوله عزّوجلّ
( فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ )
وإنّما قيّده اللّه سبحانه بالنظرة الواحدة ؛ لأنّ النظرة الواحدة لا توجب الخطأ إلّا بعد النظرة الثانية ، بدلالة قول النبي صلى الله عليه وآله لمّا قال لأمير المؤمنين عليه السلام : يا علي أوّل النظرة لك ، والثانية عليك ولا لك .
ومنها الشجاعة ، وقد كشفت الأيّام عنه ، بدلالة قوله عزّوجلّ
( إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ * قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ * قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قالُوا أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ )
ومقاومة الرجل الواحد أُلوفاً من أعداء اللّه عزّوجلّ تمام الشجاعة .
ثمّ الحلم مضمّن معناه في قوله عزّوجلّ
( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ )
ثمّ السخاء ، وبيانه في حديث ضيف إبراهيم المكرمين ، ثمّ العزلة عن أهل البيت ، والعشيرة مضمّن
هامش
( 1 ) إلى هنا رواه في كمال الدين ص 358 - 359 ح 57 .