تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد الطريفة — صفحة 592

مساهمون:

ص٥٩٢
القبّة ، وأتته الشعراء من كلّ أوب ، فكان يستجيد الجيّد من أشعارهم ويردّي ، فيكون قوله مسموعاً ومأخوذاً به ، فكان في من دخل في جملتهم حسّان بن ثابت ، فأنشده : ألم تسأل الربع الجديد التكلّما فقال : إنّك لشاعر ، ثمّ أنشدته الخنساء : قذىً بعينيك أم في العين عوّار فأقبل عليها كالمستجيد لقولها ، فلمّا فرغت قال : أنت أشعر ذات مثانة ، فقالت : وذي خصيته يا أبا أُمامة ، فقال : وذي خصية ، فغضب حسّان وقال : أنا أشعر منك ومنها ، فقال : ليس الأمر كما ظننت ، ثمّ التفت النابغة إلى الخنساء وقال : خاطبيه ياخنّاس ، فالتفت إليه وقالت : ما قلته في قصيدتك هذه ؟ فقال قولي :
الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى * وبأسيافنا يقطرن من نجدة دماً
فقالت : ضعفت إفتخارك وأنزرته في ثمانية مواضع ، قال : وكيف ؟ قالت : قلت لنا : الجفنات ، والجفنات ما دون العشر ، ولو قلت الجفان لكان أكثر . وقلت الغرّ ، وهو شيء يسير في الجبهة ، ولو قلت البيض لكان أكثر اتّساعاً . وقلت يلمعن ، واللمع يأتي شيئاً بعد شيء ، ولو قلت يشرقن لكان أكثر ؛ لأنّ الإشراق أدوم في اللمعان . وقلت في الضحى ، ولو قلت في الدجى لكان أحسن ؛ لأنّ الإشراق في الدجى أكثر وأحسن . وقلت أسيافنا ، ولو قلت سيوفنا لكان أكثر ؛ لأنّ الأسياف جمع قلّة والسيوف كثرة . وقلت يقطرن ، ولو قلت يسلن لكان أكثر ؛ لأنّ السيلان أكثر من القطران . وقلت نجدة ، ولو قلت نجدات لكان أكثر . وقلت دماً ، ولو قلت دماء لكان أكثر ؛ لأنّ الدماء أكثر من الدم ، فسكت حسّان ولم يحر جواباً . إنتهى .