وثالثا : بأنّ عدّ النسب شهادة ، والواجب في الشهادة شرعا ما يثبت المشهود به خاصّة ، فالواجب حينئذ على النسّابة أن يذكر ما يثبت به النسب الذي هو بصدده دون ما زاد عنه ، فإنّه نافلة وهو فيه بالخيار .
ورابعا : بأنّ الناس مختلفون في العقائد والآراء ، فربّ صفة يحسنها قوم ويقبحها آخرون ، ولعلّ المؤلّف رحمه اللّه كان يرى أنّ الصفات التي أهملها قبيحة شرعا لا يحلّ له المدح بها ، وقد صرّح العلماء الكرام بأنّ مدح من يستحقّ الذمّ وبالعكس محرّم ، ولعلّي أستدرك ما أهمله من تلك الوقائع قاصدا مجرّد حكاية الحال وبيان الواقع ، لا المدح والقدح المحرّمين في بعض المواضع .
الثاني : أنّه طاب ثراه أكثر من النسبة إلى الامّهات ، وفيهنّ من تعاب أمومتها لكونها أمة أو دنيّة .
والجواب : أنّه رحمه اللّه مسبوق على ذلك ، وقد أجمع على فعله النسّابة الأقدمون ، والعلماء الأكرمون ، وذكروا امّهات الرسول والأئمّة من أهل بيته صلوات اللّه عليهم أجمعين ، وفيهنّ حرائر نجيبات صالحات ، وإماء نقيّات طاهرات ، وسلهم هل ذكر الامّهات قبيح مطلقا ، أو مقيّدا بكونهنّ إماء ودنيّات ؟
وكلاهما باطل لا يقوله إلّا جاهل أو معاند .
أمّا الأوّل ، فلما سبق ، ولكثرة وروده في الكتاب المجيد ، قال تعالى :
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
« 1 » وقال تعالى :
قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي
« 2 » وقال تعالى :
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى
إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 116 .
( 2 ) سورة الأعراف : 150 .