النصل وأسلمت العود ، ثمّ قلبته وأدخلته ممّا يلي الريش فأكلته حسب ، وهي سائرة إلى المشرق سيرا ذريعا ، لا تمرّ على جبل الّا جعلته دكّا دكّا ، ولا شجر الّا قلعته ، وكلّ شيء تمرّ عليه سحقته ، الّا اليابس من الشجر أعفته ، وحجر عنخم نصف خارج الحرم أحرقته ، ونصفه الداخل فيه أعفته .
قلت : عفوها عن ذلك وسحقها له من كونه في الحرم ، اكراما لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله .
قال : وهي تسوق المجموع حتّى بلغت به جبل وعيرة ، فسدّت به وادي الشظا بتلك الأحجار المسبوكة بقدر ارتفاع رمح طويل ، فبلغ طرفها الشرقيّ الجبال ، وطرفها الشامي ممّا يلي الحرم ، وعيرة محاذ لجبل أحد ، مع طرف وادي تبّع المسمّى بوادي الشظا ، فلمّا شخص منه قال : هذه قناة الأرض ، أي : ممّا يلي المدينة ، ومن أعلاه عند السدّ نار الحرّة يسمّى الشظا أيضا . قال عبّاس بن درباس :
وانّك عمرى هل أتاك طعاينا * سلكن على وادي الشظا تنائيا
قال في القاموس : وكان هذه النار قرب حرّة العريض وقبر أبي يعلى حمزة بن عبد المطّلب ، فاستقرّت تجاه الحرم النبويّ على مشرّفه أفضل الصلاة وأزكى السّلام ، ومع هذا كان يأتي المدينة نسيم بارد ، يغزلن النساء على ضوئها فوق الأسطحة ، وكذا الكتّاب يكتبون الكتب .
قال : فأعتق الأمير منيف جميع مماليكه ، وردّ على الناس مظالمهم ، وأبطل المكوس عنهم ، وبات ليلة الجمعة والسبت والأحد بالمسجد النبويّ بجميع أهل المدينة التجأوا اليه ، والنساء والأطفال متضرّعين معترفين بالذنوب والعصيان ، تائبا عمّا صدر منه سابقا ، متوسّلا إلى اللّه بالنبيّ وآله الأئمّة صلوات اللّه عليهم أجمعين ، فلم تزل تلك النار على تلك الحال إلى مضيّ ثلاثة أشهر ، آخرها شهر رمضان سنة ( 656 ) .
وفي سنة ( 709 ) انخرق هذا السدّ من كثرة الأمطار فجرى الوادي .