إليهم فإذا هم كأمثال الجبال من الحديد ، فقال : أيَقتل هؤلاء بعضهم بعضاً في ملك من ملك الأرض الفانية لا حاجة لي به ؟ ! فأرسل إلى معاوية « 1 » يبذل له في تسليم الأمر إليه ، لا مِن قلّة ولا من ذلة ، على أن تكون له الخلافة من بعده ، وأن يقضي عنه ديونه ، وأن لا يطلب أحداً من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيءٍ ممّا كان في أيام أبيه ، فأجابه « 2 » معاوية إلى جميع ذلك ، وظهرت المعجزة النبوية بذلك ( ه : هي قوله صلى الله عليه وآله :
إن ابني هذا سيّد ، لعلّ اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ،
كما تقدم ذلك ) ، ونزل عن الخلافة على تلك الشروط .
قال ابن بطال : ولم يف له معاوية بشيءٍ مما التزمه . « 3 »
ولمّا نزل عنها كان أصحابه يقولون له : يا عار المؤمنين ! فيقول لهم :
العار خير من النار . « 4 »
وقال له رجل : السلام عليك يا مذلّ المؤمنين ! فقال :
لست بمذلّهم ، ولكني كرهت أن أقتلهم على ملك زائل . « 5 »
وأتاه رجل فقال : يا مسوّد وجوه المؤمنين ، فقال :
لا تؤنّبني ؛ فإنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله رأى بني أمية يخطبون على منبره رجلًا رجلًا فساءه ذلك . « 6 »
هامش
- يسلّموا الحسن إليه حياً أو شهيداً ، وذلك بعد ما بذل لهم الأموال ومنّاهم بالمناصب ، وكان الحسن عليه السلام - وهو بضعة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله - على علمٍ بذلك .
( 1 ) . بل معاوية هو الذي أرسل إليه بعد ما حمل عليه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وكان على رأس جيش الإمامالحسن ، وذكّره بهجومه هذا أيام صفين ومواقف الأنصار والمهاجرين مع عليّ فيها ؛ فراجع تاريخ الطبري وأنساب الأشراف وغيرهما .
( 2 ) . أجابه أوّلًا ، ثمّ بعد ما استتبّ له الأمر نقض العهد كما سيأتي ، والكلام هنا كله للمناوي في طبقات الصوفية ، ج 1 ، ص 138 .
( 3 ) . وهذا شأن الغادرين والناكثين والمبطلين ، وربما كان من أسباب الموادعة هو إتاحة الفرصة للناس حتّى يتبين لهم الحق من الباطل أكثر فأكثر ؛ قال البلاذري في أنساب الأشراف ، ح 54 : قالوا : ثمّ قام معاوية فخطب الناس فقال : ألا إنّي كنت شرطت في الفتنة شروطاً أردت بها الألفة [ بل الإمرة ] ووضع الحرب ، ألا وإنّها تحت قدمي .
( 4 ) . تاريخ مدينة دمشق ، ح 291 ؛ طبقات الصوفية ، ج 1 ، ص 139 ؛ ويقصد بالعار هو عار الدنيا ، وبالنار نار جهنم ، ومثله قاله شقيقه الحسين عليه السلام حينما برز إلى القتال :الموت خير من ركوب العار * والعار خير من دخول النار( 5 ) . وذلك أنّ معظم قوات الجيشين كان لا يهمّهم إلّاالدنيا ، ولا يمكن طلب الحق من طريقهم . والمصدر هنا طبقات الصوفية ، ج 1 ، ص 139 .
( 6 ) . رواه الثعلبي وابن عساكر والحاكم والترمذي والمناوي وغيرهم مع مغايرات . وقال ابن عساكر أيضاً : أتى -