رأيته في بعض مواقفه ومناجاته وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، قابصاً على لحيته ، يتململ ويبكي ويقول :
يا دنيا ، غُرّي غيري ؛ إليّ تشوّفت ؟ ! هيهات هيهات قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها . « 1 »
[ ما حكي في سبب مفارقة عقيل له ]
[ و ] سبب مفارقة أخيه عقيل رضي الله عنه له - كرّم اللَّه وجهه - أنّه كان يعطيه كلَّ يومٍ من الشعير ما يكفي عياله ، فاشتهى عليه أولاده مريساً ، فصار يوفر كلّ يوم شيئاً قليلًا حتّى اجتمع عنده ما اشترى به سمناً وتمراً ، وصنع لهم مريساً ، فدعوا عليّاً إليه ، فلمّا جاءه وقدّم له ذلك سأل عنه ، فقصّوا عليه ذلك ، فقال :
[ أ ] وكان يكفيكم ذلك بعد الّذي عزلتم منه ؟
قالوا / 22 / : نعم ، فنقص ممّا كان يعطيه مقدار ما كان يعزله كلّ يوم ، وقال :
لا يحلّ لي أزيد من ذلك ،
فغضب عقيل رضي الله عنه ، فحمى له عليّ - كرّم اللَّه وجهه - حديدة وقرّبها من خدّه ، وهو غافل ، فتأوّه عقيل من حرّها ، فقال له عليّ :
تجزع من هذه ، وتَعرضني لنار جهنم ؟ !
فقال له : لأذهبنّ إلى من يعطيني تبراً ويطعمني تمراً .
فلحق بمعاوية وقد قال يوماً : « لولا علمه بأنّي خير له من أخيه ما أقام عندنا وتركه » ، فقال له عقيل : أخي خير لي في ديني ، وأنت خير لي في دنياي ، وقد آثرت دنياي ، وأسأل اللَّه خاتمة خير « 2 » .
[ روى ] ابن عساكر أنّ عقيلًا سأل عليّاً فقال : إنّي محتاج ، وأنا فقير فأعطني . قال :
اصبر حتّى تخرج العطايا فأت مع المسلمين فأعطيك معهم ،
فألحّ عليه فقال لرجل :
خذ بيده فانطلق به إلى حوانيت أهل السوق ، ودقّ هذه الأقفال ، وخذ ما في هذه الحوانيت .
فقال : تريد أن تتخذني سارقاً ؟ قال :
وأنت تريد أن تتخذني سارقاً أن آخذ أموال المسلمين فاعطيكها دونهم ؟ !
قال : لآتين معاوية . قال :
أنت وذلك .
فأتى معاوية فأعطاه مئة ألف ، فقال له : اصعد المنبر فاذكر ما أولاك عليّ وما أوليتك أنا . فصعد المنبر فحمد اللَّه تعالى وأثنى عليه ، ثمّ قال :
أيّها الناس ، إنّي أخبركم أنّي أردت عليّاً على دينه فاختار دينه عليّ ، وإنّي أردت معاوية
هامش
( 1 ) . سيأتي الحديث بتمامه قريباً فلاحظ .
( 2 ) . الصواعق المحرقة ، ص 132 .
وقد نصّ بعض المحققين على أن ذهاب عقيل إلى معاوية كان بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام وصلح الإمام الحسن .