فشمّ منه رائحة الكافور ، فقال له : ما لي أشمّ منك رائحة الموتى ؟ قال : لمّا دعوتني في هذا الوقت خفت على نفسي القتل ، فاغتسلت غسل الأموات ، وحضرت بين يديك ، افعل ما بدا لك ! فقال : لا تخف إن كنت صادقاً ، قد بلغني عنك كلام وأنا أسألك عنه ، فاصدق تنج . قال : سل ؛ أخبرك بعون اللَّه وحسن توفيقه . قال : بلغني أنّك إذا خلوت بنفسك تنشد هذه الأبيات :
أصبحت جم بلابل الصدر * وليت مطويّاً على الجمر
أنْ يحبَّ يوماً طلّ فيه دمي * وإن سكنت يضيقُ بي صدري
قل لي : ما يطل دمك ولا « 1 » يضيق صدرك ؟ فقال : ولي الأمان ؟ قال : قل ولك الأمان . فقال :
ممّا جناه على أبي حسن * عمر وصاحبه أبو بكر
جعلوك رابعهم أبا حسن * منعوك حقّ الإرث والصهر
وإلى الخلافة سابقوك وما * سبقوك في احدٍ ولا بدر
وقتلت في بدر مشايخهم * فلأجل ذا طلبوك بالوتر
فعلى الّذي يرضى بفعلهم * أضعاف ما حملوا من الوزر
فقال المتوكّل : قاتلك اللَّه يا كركدان ! تشتمني في وجهي ؟ قال : حاشا اللَّه ، بل أقول الحقّ ، وشيمتك العدل والإنصاف . فقال له : يا كركدان ، يجوز في مذهبك واعتقادك أنّ يزيد بن معاوية كان كافراً ؟ قال : نعم ورأسك العزيز . قال : فيم ذا ؟ قال : لمّا قُتل الحسين عليه السلام وحُمل إليه سبايا الحسين عليه السلام والرأس معهم ، حطّ الرأس في طشت من الذهب قدّامه ، وبقي ينظر إلى الأوصاف الهاشميّة والبهجة الفاطميّة ويقرع ثناياه بقضيب كان عنده ، فنعق غراب من أعلى حيطان داره ، فاستوحش من كان في مجلسه من بني اميّة ، فأنشد يقول :
يا غراب البين ما شئت فقل * إنّما تندب أمراً قد فعل
هامش
( 1 ) . كذا في الأل ، والصحيح ظاهراً : وما