القتل ! واختار إنفاذ الأمر إلى أخيه هارون من شدّة خوفه ، فأنزل اللَّه فيه هذه الآية :
« فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »
« 1 »
« قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ »
« 2 » فاعتذر إلى ربّه : إنّي أخاف من القتل ، وإنّ لساني غير فصيح ، و
« إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ »
، وسيّدي عليُّ بن أبي طالب عليه السلام بات على فراش النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الفزع الأكبر ، وبذل مهجته دونه للحتوف ، ووقاه بنفسه من الأعداء ؛ ابتغاءً لمرضاة اللَّه تعالى ورضاءً لنبيّه ، ولم يعتذر بوجه من الوجوه أبداً .
فقال لها : صدقت ، وبماذا فضيلته على عيسى عليه السلام وهو روح القدس ؟ فقالت له :
اعلم - يا حجّاج - أنّ اللَّه تعالى أوحى إلى نبيّه عيسى عليه السلام يعاتبه على كلام صدر منه مع قومه ، فأنزل اللَّه تعالى في كتابه العزيز يقول :
« يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ
أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ »
« 3 » وإنّ عيسى عليه السلام يوم القيامة يقف موقف الاعتذار ، وإنّ سيّدي عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال له أهل سبا لمّا رأوا معجزاته وآياته وفضائله : يا عليّ ، أنت إلهنا ، فقتلهم من آخرهم ولم يبق منهم إلّا القليل ، وهو يقول لهم : يا قوم ، إنّما إلهكم إله واحد ، له ما في السماوات وما في الأرض .
فقال لها : صدقت يا عجوز الخير . ثمّ قالت : يا حجّاج ، وله فضيلة أخرى على عيسى عليه السلام ، فإنّ مريم بنت عمران لمّا جاءتها الولادة بعيسى عليه السلام كانت في المسجد ، فأوحى اللَّه إليها أن تخرج وتتّخذ مكاناً شرقيّاً ، واتّضع عيسى عند جذع النخلة ، وفاطمة بنت أسد لمّا جاءها الطلق كانت ناحيةً عن البيت الحرام ، فأوحى اللَّه إليها أن
هامش
( 1 ) . سورة القصص ، الآية 21 .
( 2 ) . سورة القصص ، الآية 33 و 34 .
( 3 ) . سورة المائدة ، الآية 116 .