إخبار عن سبائك النطف الّتي ألقيت سليمة من علل الكفر مستعدّة مهيّاة للإيمان والإسلام في الأرحام ، حتّى بلغت كمال الزينة والولادة ، فحكمها في ذلك الوقت حكم وقوعها بنعت النطف بقبول الخير والشرّ من تأثير الصحبة ، وكما كانت مهيّاة في حكم الصورة للحسن والقبح ، فإن صحبتها السعادة الأزلية يكون بحكم آبائهم من المؤمنين ، وإن صحبتها الشقاوة القدمية يكون بحكم آبائهم من الكافرين ، فإن سبق لها حسن العناية يكون مربّاة في حجر المؤمنين ، وإن سبق لها حكم القهر تكون مغيّرة في مهاد الكافرين .
وما روت عائشة من معنى صبيّ الأنصاري فيه إشارة من قوله صلى الله عليه وسلم : إلى أنّ اللَّه - تبارك وتعالى - خلق في أصلاب المؤمنين من أهل النار خلقاً . وهم الّذين حكم اللَّه بكفرهم في الأزل قبل وجودهم وإن يقعوا في حجر المؤمنين ، لكن هم في ذلك الوقت على حكم ظاهر الإسلام غائبون عن سابق الحكم ، هم في تربية الإسلام حتّى يلحق بهم حكم القدر السابق لهم .
حكمه - عليهم الصلاة والسلام - في حديث أبي هريرة بظاهر الأمر ، وحكم في حديث عائشة بحكم المشيّة .
368 - وقال في قوله صلى الله عليه وسلم : احتجّ آدم وموسى ، فقال له موسى : أنت آدم الّذي أخرجتك خطيئتك من الجنّة قال له آدم أنت موسى الّذي اصطفاك اللَّه برسالته وبكلامه ، ثمّ تلومني على أمر قُدّر عليّ قبل أن اخلق ! فقال عليه الصلاة والسلام : فحجّ آدمُ موسى مرّتين . « 1 »
إنّما حجّه آدم في دفع اللؤم ؛ إذ ليس لأحد من الآدميين أن يلوم أحداً . وقد جاء في الحديث : انظروا إلى الناس كأنّكم عبيد ، ولا تنظروا إليهم كأنّكم أرباب . « 2 »
هامش
( 1 ) . مسند أحمد ، ج 2 ، ص 264 و 314 و 392 ؛ صحيح البخاري ، ج 4 ، ص 131 ، وج 8 ، ص 203 ؛ الإيضاح ، ص 28 ، ( مع اختلاف يسير ) .
( 2 ) . كتاب الموطأ ، ج 2 ، ص 986 ؛ « ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنّكم أرباب ، وانظروا في ذنوبكم كأنّكم عبيد » .