إلّا بنيّةٍ دخل فيه التوحيد الّذي هو أعمال رأس الدين ، فلا يصحّ القول بالتوحيد إلّا بمعرفة وقصد إخلاص فيه ، وكذلك سائر أعمال الدين من الصلاة والزكاة والصيام والوضوء .
وقوله : « إنّما لكلّ امرءٍ ما نوى » تفصيل لبيان ما تقدّم ذكره وتأكيدٌ له ، وفيه معنىً خاصّ لا يستفاد من الفصل الأوّل ، وهو إيجاب تعيين النيّة للعمل الّذي يباشره .
وقوله : « فمن كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله » ، معناه أنّ من قَصَدَ بالهجرة قصد القربة إلى اللَّه عز وجل لا يخلطها بشيء من الدنيا وطلب إرب من ارابها ، « فهجرته إلى اللَّه ورسوله » ، أي :
فهجرته مقبولة عنداللَّه وعند رسوله ، وأجره واقع على اللَّه عز وجل ، « ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه » ، يريد أنّ حظّه من هجرته هو ما قصد من دنياه ولا حظَّ له في الآخرة .
ومرويٌّ أنّ هذا إنّما جاء في رجل يخطب امرأةً بمكّة فهاجرت إلى المدينة ، فتبعها الرجل رغبة في نكاحها ، فقيل له « مهاجر أمّ قيس » .
349 - وقال في قوله صلى الله عليه وسلم : الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أفضلها شهادة أن لا إله إلّااللَّه ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان . « 1 »
إنّ الإيمان يتشعب إلى أمور ذات عددٍ جماعُها الطاعة ، وإنّ إيماننا يحق ما كلّفناه من ذلك صحيح ، والعلم به حاصل ، والجهل معه مرفوع ، وذلك أنّه قد نصّ على أعلى الإيمان وأدناه باسم أعلى الطاعات وأدناها .
350 - وقال في قوله صلى الله عليه وسلم : المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُون مِنْ لِسَانِه ويَدِهِ ، والمهاجِرُ مَنْ هجر مَا نَهىَ اللَّهُ عَنْهُ . « 2 »
إنّه يريد أنّ المسلم الممدوح هو من كانت هذا صفته ، وليس ذلك على معنى أنّ
هامش
( 1 ) . مسند أحمد ، ج 2 ، ص 414 ؛ صحيح مسلم ، ج 1 ، ص 46 ؛ سنن ابن ماجة ج 1 ، ص 22 .
( 2 ) . مسند أحمد ، ج 2 ، ص 192 .