فلا يمكن إلّاللمرتاض بتلك الصنعة والبالغ إلى تلك المرتبة ، فلا يعلم مرتبة العالم إلّا العالم ، ومرتبة كمّل أهل الصنعة إلّاأهلها ، كما قال الشاعر :
إنّما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه .
وأمّا الجاهل فهو عدوّ العالم والعلم كليهما ؛ بدليل قوله عليه الصلاة والسلام :
« الجهلاء لأهل العلم أعداء ، والمرء عدوّ ما جهله » « 1 » ؛ أعوذ باللّه من الجهل والجهّال ، وأسأله أن يوصلني إلى مراتب العلم والكمال ، واللَّه العالم بحقيقة الأحوال .
الكلمة السادسة ، قوله عليه السلام : من عرفَ نفسَه فقد عرفَ رَبَّه
كلمة « من » موصولة مبتدأ ، وإذا تضمّن المبتدأ معنى الشرط يدخل الفاء على الخبر ، كقولنا : « من عمل صالحاً فله الجنّة » ، واحتمال كونها موصوفة واضح ، والفرق في الجملة بعدها ، فإنّها على الأوّل لامحلّ لها من الإعراب على الأصحّ ، وعلى الثاني محلّها محلّها ، وفي العائد سواء .
و « المعرفة » على ما قال بعض العارفين : تطلق على الثاني من الإدراكَينِ للشيء الواحد ، والأرواح بعد تعلّقها بالأبدان والأجساد الظلمانيّة ذهلت عن الحالة الّتي كانت لها حال تجرّدها من الإقرار بالربوبيّة ومراتب المعرفة ، كما تشهد به آية
« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى »
« 2 » فإنّها أقرّت بالربوبيّة في عالم الذرّ ، فإذا جعلت مرتاضة بالرياضات ، وصفّيت بمصفاة خلوص الطاعات ، عادت تلك الحالة إليها ، وعلمت بذهولها عنها ، وأدركت ما كانت قد أدركته بعد نسيانها ، فيطلق على الإدراك الثاني الّذي تخلّل بينهما ذهول وغفلةٌ المعرفةُ .
وكلمة « قد » للتحقيق إذا دخلت على الماضي ، وللتقليل إذا دخلت على الغابر « 3 » ،
هامش
( 1 ) . بحارالأنوار ، ج 77 ، ص 176 ، ح 9 ، وج 1 ، ص 94 ، ح 22 .
( 2 ) . الأعراف ، الآية 172 .
( 3 ) . الغابر : المضارع .