ومن يعرف قدره يرعاه ، ومن يرعاه كمن ربّاه ، يحصل له كلّ يوم مزيد علم وكمال .
فإن قلت : كيف يمكن أن يقال : إنّ ذا القدر لم يعرف قدره ؟
قلتُ : من لم يعمل بما يعرف يُنَزَّل منزلة غير العارف ، كما يقال لمن أذى أباه : « إن كان أباك فلاتؤذه » ، مع علمه بكونه أباً له .
أو المعنى : أنّ كلّ من عرف مرتبته أعمّ من أن يكون وضيعاً أو شريفاً ، ويراعي تلك المرتبة المتعلّقة به ، بأن يعظّم من فوقه ويرحم من دونه ، ولايظلمهما بترك طاعة الأعالي وإلقاء الكلفة على الأداني ، لم يجعل نفسه مَطعناً لألسن الناس ، ولم يهتك ستر عرضه بمقاريض أشفاه الهُمَزَة اللُّمَزَة ؛ حفظنا اللَّه من شرّهم . ولا يخلو هذا المعنى من بُعد .
والنكرة الواقعة في سياق النفي لمّا كانت مفيدة للعموم ، كان الحكم المذكور ثابتاً لجميع الأفراد ، وباعتبار رجوع النفي إلى القيد يفهم أنّ من لم يكن له قدر أو كان ولم يراع قدره ، كان من الهالكين باعتبار ما ذكرنا .
والحاصل : أنّ معرفة القدر أن يراعي الحدّ الأوسط بين الإفراط والتفريط ، فلايحسب نفسه شيئاً حتّى يتكبّر وتحصل له نخوة وتفرعن ويقول : أنا أراعي قدري ، ويسمّيه - باعتقاده الفاسد - مراعاة القدر ، ولايفتخر بصلاحه وسداده حتّى كان كمن زكّى نفسه تزكية نُهي عنها بقوله تعالى :
« فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى »
« 1 » .
فإيّاك والعُجب ؛ فإنّه من المهلكات ! فوقع فيما فرّ منه . والحدّ الأوسط ما يستفاد من كلام سيّد الساجدين : لا تكن كالعسل فيأكلوك ولا كالحنظل فيلقوك « 2 » ؛ ولا يخفى ما في هذا الكلام من النصائح البليغة والمواعظ الجميلة ؛ جعلنا اللَّه من العارفين بالقَدْر والقَدَر ، لا من السامعين للّفظ والأثر .
هامش
( 1 ) . النجم ، الآية 32 .
( 2 ) . بحارالأنوار ، ج 13 ، ص 427 ، ح 23 .