الدين - فإنّه يجوزُ خلافه ، ولهذا لمّا أراد النزول يومَ بدرٍ دون الماء في بطن الوادي ، قال له أصحابه : إنْ كان نزولك هذا عن وحي نَزَل فالسَّمعُ والطاعة ، وإنْ كان هذا رأياً رأيته فليس هذا منزل مكيدةٍ ، فقامَ وارتحل وترك اجتهاد نفسه .
وقال أصحابنا « 1 » : إن اجْتَهَد في الدين لم تَسَعْ مُخالفته ، كذلك إذا اجتهد أمير المؤمنين عليه السلام في الدين ، لم يُسوَّغْ خلافه [ و ] كان ذلك حجّة ، وإذا لم نقطع بأنّه دين اللَّه ، وسوّغ الخلاف لمن خالفه ، فإنّما يُسمع خلافه ؛ لأنّه سوّغه ، وهو حجّة .
فتحريم المخالفة وتحليلها - فيما يُفْتي في الدِّين - موقوفٌ عليه .
ومن عجيب أمره في هذا الباب ، أنْ لا شيءَ في علوم الدين إلّاوأهله يجعلونه قدوةً وقبلةً :
فإنّ أهل النحو يَرجعون إلى ذلك من هدايته ، وذلك أنّ أبا الأسود الدؤلي « 2 » كانَ له صبيٌّ يقُوده ، وكان يمشي في الرَّمل الحامي فَتُحْرِقُ رِجْلَه .
فقال : ما أشدَّ الحرَّ .
فقال أبو الأسود الدؤلي : حَرُّ تَهامة .
والصَّبي أراد : ما أشدَّ الحرَّ الّذي يُحرق رجلي ! فلمّا كرّر الصبيُّ وكرّر عليه بكى الصبيُّ ، فَعَلم ما أراده ، فجاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، ووصَف له .
فقال : فَسَد لسانُ أهلنا ، لاختلاطهم بالعجم ، فلو عَلَّقتُ في الأعراب شيئاً نُعلِّمه أولادنا كان صواباً .
فَعَمِل وحمل إليه .
فقال : ما أحسَنَ ما نحوتَ هذا النحو ! فَسُمّي النحوُ نحواً ، وهو الأصل فيه .
هامش
( 1 ) . يقصد بهم أصحابه في الأصول ، وهم المعتزلة البغداديون .
( 2 ) - من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ، وإليه يعود الفضل في صنعة النحو ، حيث تعلّم أصولها من عليّ بنأبيطالب - كما في الخبر - وعلّمها الناس .