وأينَ هذا من رجلٍ يقول : « أيُّ أرضٍ تُقلُّني ، وأيُّ سماءٍ تظِلُّني ، إذا قلتُ في القرآن برأيي ! » ومِن شأن المجتَهد عند تَعارُض الآيات والسُّنن ، ودلالة الشرع ، يجبُ أنْ يكون له في القرآنِ رأي .
وكيفَ يُقاس برجلٍ له سبعون قضيّةً في الجَدّ وَالجَدَّةِ ، ثمّ يقول : « ليتَني سألتُ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وآله عن حُكم الجدّة ! » ، وهذا في عُمر .
وكيف يُقاس معه غيره في باب العلم ، وفيه قال محمّد بن الحسن الفقيه « 1 » :
« لولا عَليٌّ لما عرفنا حكم أهل البغي » ، وله كتابٌ يشتمل على ثلاثة آلاف مسألة في قتال أهل البغي ، بناءً على فِعْل أمير المؤمنين .
وفيه إجماعُ العِترة على أنّه أعلمُ الامّة ، وإجماعُهُم حجّة .
فهذه اثنتا عَشْرة منقبةً في باب العلم ، لا يُشاركه أحدٌ فيها ، يُشرَّفُ المَرْءُ بواحدةٍ منها .
ثُمّ مِنْ أعماله زُهده في الدُّنيا ، حتّى ورد فيه ما لَم يرِدْ لغيره من المشايخ ، فمن ذلك خطابه للدنيا : « يا صَفْراءُ ، يا بَيْضاءُ ، غُرّي غَيري ، فقد بَتَتُّكِ « 2 » بتّاً ، لا رجعة لي فيكِ ، فَعَيْشُك حَقيرةٌ ، وخطرك يسيرةٌ » .
ومثل هذا لا يوجد لأحدٍ من المشايخ .
وله في هذا الباب : أنّه أخرج مئة عَينٍ بِيَنْبُعَ ، فباع بعضها ، وتَصدّق بثمنها ، حتّى اشْتَرى ألف عبدٍ وأعتقهم في سبيل اللَّه ، وليس هذا لأحدٍ من المشايخ .
وفيه ورد أنّه كانَ يُصلّي في الليل والنهار ألفَ ركعةٍ ، وليس هذا لأحدٍ من المشايخ .
وهو الّذي قيل له : ما هذا اللباسُ الّذي عليك ، وهو بهذه الخشونة والغلَظ ؟
هامش
( 1 ) . هو محمّد بن الحسن الشيباني ، صاحب أبي حنيفة المتوفّى سنة 189 ه .
( 2 ) . أي طَلَّقْتُكِ .