واللَّه لقد رأيتُ ليلةً مِن الليالي ، وقد أسبل الظَّلامُ سدولَه ، وغارت نُجومُهُ ، وهو في المحرابِ ، يَتَملْمَلُ تملْمُلَ السَّليم ، وَيبْكي بُكاء الحَزين ، ولقد رأيته مُسبلًا للدُّموع على خدّه ، قابضاً على لِحْيَتِه ، يُخاطبُ دنياه فيقول :
آه يا دنيا ! أبي تَشوّقْتِ ؟ ولي تَعرّضْتِ ؟ ! لا حانَ حيْنُك ، فقدْ بَتَتُّكِ بتّاً لا رجعة لي فيكِ ، فَعَيشُكِ حقيرٌ ، وخَطَرُكِ يسيرٌ . آهٍ من قلّةِ الزادِ ، وبُعد السَّفَرِ ، وخُشُونَة الطريق ، وَهولِ المُطَّلَع !
فبكى معاوية وقال : كان واللَّه كذلك ! فكيف حُزْنُك بعده ؟
قال : حزنُ واجدةٍ ليس لها إلّاقرّةُ عينٍ ، شابٌّ على الكمال نُحِرَ في حِجْرِها ، كيف تَحزنُ ؟ فأنا عليه كذلك .
وفيه ورد : أنّه اشترى قميصين بثمانية دراهم ، واحداً بخمسة ، وآخر بثلاثة ، فألبسَ غُلامه ما اشتراه بخمسةٍ ، ولبس ما اشتراه بثلاثةٍ ، فَنَظَر وإذا كُمُّهُ أطولُ من يده ، فتقدّم إلى النجَّار « 1 » ، وقال : « اقطع هذا » ، فقطع .
فقيل له : تَعالَ حتّى نَخيّط كِفَّته وعِطافَه .
قال : إنّ الأمر أقربُ من ذلك !
وفيه ورد : أنّه كان يَختِمُ على طعام نفسه ، فرُئي وقد أخرجَ منَ السرّ « 2 » رغيفاً يابساً مِنْ خُبز الشَّعير ، ثمّ اتّكأ عليه حتّى كَسَره ، وأخذ يأكُله .
فقيل له : أنتَ مع جُودِك تختمُ على خُبْزِك !
فقال : ما أفعل ذلك بُخْلًا ، ولكنّ صبياني يُشْفِقُون علَيّ ، فيخلطونَ بخُبز الشَّعير خُبزَ الحنطة ، فلا اريدُ ذلك .
فقيل له : إذَنْ تضْعفُ .
هامش
( 1 ) . النَّجرُ هو القطع .
( 2 ) . كذا في الأصل .