فقال : ما لكُم ، ولباسي أحْصَنُ لفرجي ، وأولى أن يُقْتَدى بي !
وهذا الضَّرب في باب الأجر والاحتياط للشَّرع لا يوجدُ لأحدٍ .
وفيه : أنّه لمّا عُوتب في لباسه ، قال : « لقد رقّعْتُ مدْرَعتي هذه ، حتّى استحيَيْتُ مِنْ راقعها .
فقال لي : ذَرْها عنك ، فَذُو الاتُن « 1 » لا يَرتَضيها لِبَراذِعِها « 2 » .
فقلتُ : اغْرُبْ ، فعند الصَّباح يُحْمَدُ القوم السُّرى « 3 » ، وتَنْجَلي عنهم غبايات الكَرَى « 4 » ، واللَّه لو شِئتُ لَتَسَرْبَلتُ بالعبقريّ المنقوش منْ دِيباجِكُم ، ولتناولت لُبابَ البُرِّ في صدُور دَجَاجِكُم ، ولشَرِبتُ الماء في رقيق زُجاجِكُم ، ولكنّي وجدتُ اللَّه يقول :
« مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »
« 5 » .
ودخل ضِرارُ بنُ صُرَد على معاويةَ فقال : صف لي عليّاً ؟
فقال : أوَتعفيني عنه ؟
قال : لا وحياتي إلّاوتَفعلُ .
فقال : كانَ واللَّه صَوّاماً بالنهار ، قوّاماً بالليل ، يُحبُّ مِنَ اللباس أخشنَهُ ، ومنَ الطعام أجشبَهُ ، كانَ يجلِسُ فينا كأحدنا ، ويَبْتَدئنا إذا سَكَتْنا ، ويُجيبُنا إذا سألنا ، يَقسِمُ بالسوية ، ويعدلُ في الرعيَّة ، لا يخافُ الضَّعيفُ مِن جورِهِ ، ولا يطمَعُ القويُّ في ميْلِه .
هامش
( 1 ) . الاتن : الأنثى من الحمير .
( 2 ) . البراذع : حِلْسٌ يُجْعَلُ تحت الرَّحْلِ ، وهي تستعمل عادةً للحمار ، مايركبُ عليه ، بمنزلة السرج للفرس .
( 3 ) . السُّرى : الّذين قطعوا ظلمة الليل ووحشتها بالسير .
( 4 ) . الكرى : النعاس .
( 5 ) . سورة هود ، الآية 16 .