فقال : « مَنْ أولى بها مِنْهُ ، وهو منّي وأنا منه كهارونَ مِن موسى ، اللّهمَّ اشْدُدْ أزري بعليٍّ ، كما شَدَدت أزْرَ موسى بهارون » .
فكيف يُقطَعُ على باطن قومٍ كانت منهم هذه الأمور ؟
وقوله : « لقد رَضي اللَّهُ عَن المؤمِنينَ إذ يُبايِعُونَك تَحْتَ الشَّجَرَة » « 1 » فإخْبارٌ عن الحال ، وَرِضىً منهم ببيعتهم ، وعِلْمُ ما في قلوبهم مِن الإخلاص له في الحال ، وليس فيه أنّهم يبقون على ذلك الرضى أبداً .
وله مزيّةٌ أخرى في باب الإيمان ، وهي أنّه بقي بعدهم ، وعَمَّر طريق مكة ، وأخرج بِيَنْبُعَ مئة عينٍ ، واشترى ببعضها ألف نسمةٍ فأعتقها ، وَوَقف الباقي إلى يومنا هذا ، وكان مع ذلك يَصومُ النهار ، وَيُصلّي في الليل والنهار ألفَ ركعةٍ ، وجاهد الناكثين والقاسطين والمارقين ، وسنَّ السِّيَر والأحكام ، وبثَّ العِلم ، ونَشَر الخُطَب والمواعظ ، وكلّ ذلك مزايا لإيمانه على إيمان القوم ، فهذا الاشتراك يفوقهم بستّ خصالٍ تَفرّد بها .
وهناك خَلَّةٌ أخرى للمشايخ يَفضُلُون بها على مَن ليس في درجتهم ، وهو السَّبق في الإسلام ، فهم في معنى قوله :
« وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ »
« 2 » فلأبي بكرٍ سَبقٌ ، وَلعثمانَ ولعُمَر ، ثمّ أربعين من المسلمين ، لكن هو أسبقُ السابقين ، فقد شاركهم في السَّبق ، وانفرد بكونه أسبق .
وهو أسبقهم في أشياء :
منها : السَّبقُ في الإسلام على ما مضى .
ومنها : السَّبقُ في الصَّلاة ، على ما قال في خُطبة البصرة على المنبر :
« أنا عَبدُ اللَّهِ ، وأخوُ رسولِ اللَّه ، وأنا الصِّدّيقُ الأكبر ، وأنا الفارُوقُ الأعظم ، لا يقوله
هامش
( 1 ) . سورة الفتح ، الآية 18 .
( 2 ) . سورة الواقعة ، الآية 10 .