وفي خبر آخر عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أيضاً سأله رجلٌ فقال : أسمع الحديث منك فلعلّي لا أرويه كما سمعته ! فقال : إذا حفظت الصلب منه فلا بأس ؛ إنّما هو بمنزلة أن يقال : هلمّ ، واقعد ، واجلس « 1 » .
استُدل للمانع بأنّ في الألفاظ المنضمّة وكيفيات الانضمام من الفصل والوصل والتقديم والتأخير والحذف والتجوّز والتوصيف والتوضيح وسائر التصرفات وجوها قلّ أن لا يخفى على الماهر فضلًا عن غيره ؛ فإنّ ما تعرفه من الألفاظ بصفة الترادف إذا اطّلعنا على حقيقة اللغة رأيناها متغايرة ، كالقعب والكأس ، والجيش والجند ، والسيف والفِرِند ، والوادي والأبطح ، والشاطئ والرّقة ، ونحو ذلك « 2 » .
ومن الأمور المعلومة أنّ الغرض المقصود يفوت بأدنى تصرّف ، كما ترى أنّ ترجمة القرآن ولو بلفظٍ فصيح وألفاظ كذلك مفوّت للأغراض المقصودة فيه ، ومِن ثمّ قال النبيّ صلى الله عليه وآله : « نضر اللَّه عبداً ، أو نصر اللَّه امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها كما سمعها ؛ فربّ حامل فقهٍ إلى غير فقيهٍ ، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » « 3 » والجواب عن ذلك أنّ هذا الكلام الذي ذكرناه وصحّحناه وإن كان في غاية المتانة ، إلّاأنّه مردود بوجهين :
أحدهما : أنّه خلاف المفروض ؛ لأنّا إنّما نجوّز فيما يختلّ فمن يعرف صنوف الكلام وضروبه لايخلّ .
ثانيهما : أنّ هذه الوجوه إنّما يُرتكب في مثل الأشعار والخطب وموارد يبين المتكلّم عن فصاحته وبلاغته ، دون مثل الأجوبة عن أسئلة أواسط الناس والبياناتِ المتعلّقة بالأحكام وتقصيصِ القصص ممّا يغلب الابتلاء بها ، والدعوى
هامش
( 1 ) . الدراية ، ص 113 ؛ الكافي ، ج 1 ، ص 51 ؛ مقباس الهداية ، ص 193 .
( 2 ) . القعب : قدح من خشب ؛ والفرند : السيف .
( 3 ) . سنن أبي ماجة ، ج 1 ، ص 84 - 86 ؛ سنن الترمذي ، ج 5 ، ص 34 ؛ تحف العقول ، ص 41 - 42 .